الشعب والنخب والفاعلية الثورية!
جمال الطاهات
تزايد في الآونة الأخيرة عدد الشاكين من سلبية “الشعب”، والذين يتألمون بسبب عدم مشاركة “الجماهير” بالفعل النبيل لتحقيق الهدف العظيم، ويمنحون أنفسهم المنصة والحق بان يصدروا الاحكام بحق شعبنا، فيغلظوا أوصاف “الشعب النائم الذي لا ينتفض في وجه الطغاة الفاسدين”.
هذه الشكوى تعبر عن مدى عمق مشاعر الإحباط واليأس عند البعض، وغموض المفاهيم والأفكار في اذهانهم حول الفعل الثوري ومتطلبات نجاحه، والعلاقة بينهم كطليعة وبين الحركات الشعبية، متجاهلين حقيقة أن المهمة المركزية للرواد والطليعيين، هي قدرتهم على إدارة احباطهم، وابتكار وسائل استثنائية للحفاظ على معنوياتهم ومعنويات غيرهم من “رواد المواجهة والتغيير”. ولا بد هنا من الإشارة إلى أن تطوير طرق ووسائل “التحرك الفعّال” هي المهمة المركزية للرواد والطليعيين، ومن يتخلى عنها بحجة أن الشعب نائم ولا يستجيب، هو ببساطة يتخلى عن دوره ويعلن هزيمته وإحباطه.
إن غاية ما تسعى إليه أجهزة وأدوات المستبد الفاسد هو نشر الإحباط قبل أن تبدأ المواجهة، لتحقيق نصرها على الشعب واستدامة خضوعه. فالإحباط في المواجهات سلاح ووسيلة لتحييد أكبر عدد ممكن من أبناء الشعب وإخراجهم من المواجهة المتعلقة بمستقبلهم ومصالحهم ومصيرهم. إن أحد أهم أسلحة المستبد الفاسد وأدواته هي تشكيل قناعة لدى عموم الناس بعدم جدوى تحديه، فهزيمة شعبنا أمام المستبد الفاسد “تتحقق” حين يصل الإحباط إلى الرواد ذوي العزيمة، عندها يفقد الشعب الفرصة لأن يتحرك ويسترد دولته سلطة وموارد.
والتطلع لتطوير أدوات وأشكال عمل جديدة، وبناء وتنفيذ خطط جديدة للمواجهة، ولحرمان المستبد الفاسد من توظيف عناصر قوته، هي المعيار الحاسم للتمييز بين احباط المهزوم -الذي خارت عزائمه- وبين الإحباط المؤقت النبيل الذي يبحث عن طرق جديدة أكثر جدوى وفاعلية. إن الهزيمة ثمرة عدم القدرة على تخيل شكل جديد للمواجهات وخطط جديدة للعمل، وعدم القدرة على تطوير الوسائل الضرورية لحشد الطاقات “وتحميل شعبنا مسؤولية الهزيمة” لا يعفي الرواد الطليعيين من المسؤولية.
فالإحباط المؤقت النبيل مدخل لتطوير وسائل العمل الحالية وطرقها، وهو قوة دفع طبيعية لمواجهة ما تنشره منظومة القمع بأن “لا فائدة من النضال” وليس أمامنا إلا الاستسلام، وهو أيضاً رافعة تاريخية للانتقال من مرحلة نضالية إلى مرحلة أخرى، عبر مراجعة وسائل وطرق العمل لتطويرها، شريطة تطوير أدوات التحليل استناداً لقاعدة تاريخية حاسمة وهي (إن الشعوب جاهزة إذا وجدت طليعة تحسن تعبئة قواها وتفعيلها).
ولتهيئة الأسئلة المناسبة حول أدوات التحليل، لا بد من الإشارة إلى أن كلمة شعب، ليست “تعبير عملياتي”، إنما إشارة مرجعية لنسيج اجتماعي معقد يتكون من العديد من أشكال الفاعلية الاجتماعية التي تنشئ الهوية الجماعية. ولكن عند الحديث عن الفاعلية، يتحول تعبير “شعب” إلى إشارة للقوى البشرية ذات المصلحة في التغيير، والقادرة على مواجهة المستبد الفاسد وعائلته، مما يجعل مهمة الرواد الطليعيين تتلخص في البحث عن وسائل جديدة مناسبة لتعبئة “قوى الشعب” وتحريكها، وليس التعالي على الشعب والتخلي عنه لأنه لا ينتفض في وجه المستبد الفاسد.
فالشعب مفهوم سياسي، يشير إلى منظومة تضم خليط المصالح والأفراد، أشبه ما تكون بنسيج ضخم، او مظلة واسعة جداً تشملنا جميعاً. لهذا فإن تحريك الشعب وتعبئته وتنظيمه للمواجهة من أجل استرداد دولته سلطة وموارد، تتم من خلال تنظيمه عبر مفاصل فاعليته القطاعية والجغرافية لتعبئته وتحريكه.
إذ أن الفعل يتحقق عبر قطاعات الفاعلية، مزارعين، جنود ومعلمين وطلاب جامعات وأكاديميين، مهنيين وحرفيين وعمال صيانة، “تجار ورجال اعمال” بمختلف المستويات والقطاعات والحجم، عمال بناء، ومثقفين وكتاب، وموظفين في مؤسسات الدولة. وكل قطاع من هذه القطاعات يحتاج إلى طريقة خاصة لتفعيله ومشاركته في المواجهة الشعبية الشاملة. فالشعب يتحرك عبر تحريك مكون أساسي من مكوناته بشكل فعال مؤثر وقوي، فنفض الغبار عن الكوفية يقتضي تحريكها بقوة من أحد أطرافها، كذلك تمكين الشعب من التخلص من المستبد الفاسد يتطلب تحريكه من مفاصل محدده.
من جهة أخرى، فإن النشطاء الذين يساهمون بفعل التغيير في أي لحظة تاريخية عظيمة لا يزيدون عن 5% من “الشعب” موزعين على العديد من القطاعات الحيوية، وحين يطورون وسائل وأدوات عملهم يحققون الفعالية والثقة واليقين بإمكانية التغيير وفرصته، عبر حشد الطاقات الشعبية للمواجهة الحاسمة.
أخيراً، إن الملاحظات أعلاه هي محاولة للإجابة على السؤال (كيف يمكن الوصول إلى لحظة الفعل النبيل الجماعي والفعال؟) وبالرغم من أن لحظة الفعل لا يمكن التحكم بها وهي تلقائية وعفوية وليست حسب جدول زمني تعسفي، ولكن لا بد من تهيئة الشعب ومفاصل نسيجة لتكون جاهزة لهذه اللحظة، وقادرة على ضمان سلمية اللحظة وفاعليتها وانتاجيتها بتحقيق هدف استرداد الدولة سلطة وموارد، وليس استبدال المستبد الفاسد بمستبد فاسد جديد. وهذا يقتضي تنظيف بعض عقد النسيج الاجتماعي وتخليصها من الطفيليات، ثم منحها فرصة الحركة حتى تستطيع بلحظة ما إنتاج موجة جديدة عاتية تطيح بالزبد مرة واحدة وإلى الأبد.
2022-06-20