السيد محمد حسين فضل الله: فقيه التجديد وصوت الإنسان في زمن العواصف..!
انتصار الماهود*
في عصر التحديات الكبرى والتشابك بين الدين والسياسة والحداثة، لمع نجم السيد محمد حسين فضل الله (1935–2010) كأحد أبرز العلماء والمجددين الذين سعوا لإعادة تقديم الإسلام بوجهه العقلاني الإنساني، من دون أن يُفرّط بثوابته أو ينكفئ على نفسه.
السيد محمد حسين فضل الله شخصية محورية في الفكر الإسلامي المعاصر، جمع بين العمق الفقهي، والرؤية التجديدية، والاهتمام الواقعي بقضايا المرأة
النشأة العلمية
وُلد في النجف الأشرف، ونشأ في أحضان الحوزة العلمية، وتتلمذ على يد كبار العلماء مثل السيد أبو القاسم الخوئي والسيد محسن الحكيم. أتقن العلوم الدينية باكرًا، لكنه لم يكتفِ بها، بل انفتح على الفكر الحديث، واهتم بالتفسير والقرآن وعلم الاجتماع والسياسة.
عاد إلى لبنان في ستينيات القرن العشرين، ليبدأ مسيرته الدعوية والفكرية، متواصلًا مع الناس بلغتهم، قريبًا من همومهم، في المساجد، والمؤسسات، والإعلام.
** فكره ومنهجه
امتاز السيد فضل الله بفكر تجديدي عقلاني، دعا إلى تحرير العقل المسلم من الجمود، وإلى فهم النصوص الدينية في سياقها الزماني والمكاني. أبرز سمات فكره:
التفسير الموضوعي للقرآن، ومنه كتابه الشهير من وحي القرآن.
التركيز على كرامة الإنسان والعدالة الاجتماعية.
الدعوة إلى نهضة فكرية إسلامية تنبع من داخل النص، لا من رد الفعل على الغرب.
** مواقفه السياسية
كان السيد فضل الله من أوائل العلماء الذين دعموا المقاومة الإسلامية في لبنان ضد الاحتلال الإسرائيلي، لكنه لم يربط نفسه تنظيميًا بأي حزب، بل بقي في موقع المرشد والموجه، مما أكسبه احترامًا واسعًا، وإن خالفه البعض.
أدان الطائفية والانقسام، ووقف ضد التطرف من أي جهة، ورفض تكفير المخالفين، داعيًا إلى الحوار الإسلامي–الإسلامي، والإسلامي–المسيحي.
** موقف السيد محمد حسين فضل الله من المرأة:
لم يكن السيد محمد حسين فضل الله تقليديًا في نظرته للمرأة، بل خاض بشجاعة مواجهة ثقافية وفقهية ضد ما وصفه بـ”الإرث الذكوري المتراكم” داخل بعض القراءات الدينية.
المرأة في فقهه:
رأى أن كثيرًا من الأحكام الفقهية المتداولة ضد المرأة ليست نصوصًا قطعية، بل اجتهادات بشرية متأثرة بالعادات. فأعاد النظر في عدة مسائل، مثل ولاية الأب، وشهادة المرأة، وموقعها في الحياة العامة، وحقها في التعلم والعمل.
الحجاب:
أكد أن الحجاب فريضة إسلامية، لكنه رفض استخدامه كوسيلة للتمييز أو القمع، بل اعتبره خيارًا حرًا مرتبطًا بالوعي الديني لا بالإكراه الاجتماعي.
القيادة والدور الاجتماعي:
كان يرى للمرأة حقًا كاملاً في العمل السياسي، والاجتماعي، والدعوي، ولم يجد مانعًا شرعيًا في أن تتولى مواقع قيادية، ما دامت الكفاءة متحققة.
قال في إحدى محاضراته:
“ليست المرأة ضلعًا ناقصًا للرجل، بل هي شريك كامل في العقل، والروح، والرسالة.”
وقد أسس العديد من المدارس والمراكز النسوية التي تشجع تعليم النساء وتمكينهن، في وقت كان كثير من المؤسسات الدينية تعتبر ذلك ترفًا أو خطرًا.
** موقفه من الحركات الإسلامية:
الدعم الواعي والنقد من الداخل
تعامل السيد فضل الله مع الحركات الإسلامية لا بعين التبعية، ولا بعين القطيعة، بل بعين الناقد المحب، الذي يقدّر سعيها للنهضة، لكنه يُذكّرها بمخاطر الغلو، والاستبداد باسم الدين.
المقاومة الإسلامية:
كان من أبرز العلماء الداعمين للمقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي في لبنان، وقد بارك انطلاقة حزب الله وأيد مقاومته، لكنه رفض الانتماء التنظيمي، مفضلاً موقع المرشد العام المستقل، وهو ما جعله عرضة لانتقادات من بعض الجهات المتشددة داخل الحزب لاحقًا.
** النقد الداخلي:
دعا الحركات الإسلامية إلى مراجعة خطابها تجاه الديمقراطية، والمرأة، والحريات، والمخالفين المذهبيين، محذرًا من تحوّلها إلى سلطات مغلقة تحاكي الأنظمة التي ثارت عليها.
الاعتدال والوسطية:
هاجم التكفير، والغلو، والعنف باسم الدين، ودعا إلى مشروع إسلامي تربوي – إصلاحي طويل الأمد، بدل الثورة الدموية أو الخطاب الانفعالي.
وقد لخص رؤيته قائلاً:
“لسنا بحاجة إلى حركات تنتصر بالسلاح فقط، بل إلى وعيٍ يصنع الإنسان قبل أن يغيّر النظام.”
**أبرز مؤلفاته
من وحي القرآن (تفسير قرآني اجتماعي فكري)
فقه الشريعة والرسالة العملية
الحوار في القرآن
قضايانا على ضوء الإسلام
**وفاته وإرثه
توفي في بيروت عام 2010، وشيّعه مئات الآلاف من لبنان والعالم الإسلامي. ترك وراءه شبكة من المؤسسات الخيرية والتعليمية والإعلامية، ومرجعية فكرية لا تزال تُستلهم حتى اليوم.
لقد كان السيد محمد حسين فضل الله صوتًا نقيًا للعقل، والرحمة، والكرامة الإنسانية في زمن امتلأ بالصخب والتطرف.
خاص_بغداد ..
2025-05-26