السادات.. رجل الحرب والسلام!
بقلم د. لولوه البورشيد
لا يمكن فهم أنور السادات إلا إذا فهمت أن الرجل كان يلعب على الحافة طوال الوقت. لا هو ثوري مثل عبد الناصر، ولا هو بيروقراطي مثل من جاءوا بعده. كان مقامراً سياسياً بامتياز، يضع كل أوراقه على طاولة واحدة وينتظر.
المؤرخون اختلفوا عليه وما زالوا، لكنهم اتفقوا على شيء واحد: الرجل الذي عبر بنا القناة في 73 هو نفسه الرجل الذي عبر بنا إلى كامب ديفيد في 78، والاثنان وجهان لعملة واحدة اسمها “الصدمة”.
السادات ورث دولة مهزومة نفسياً قبل أن تكون عسكرياً. جيش بلا سلاح، واقتصاد منهار، وثقة معدومة بعد 67.
كل تقارير المخابرات الأمريكية والإسرائيلية كانت تقول إن المصري لن يحارب قبل 10 سنوات. وهو استغل هذه الصورة، تعمد أن يظهر كرجل بسيط يتحدث عن السلام، حتى يباغت الجميع.
حرب أكتوبر لم تكن مجرد قرار عسكري، كانت خدعة استراتيجية كبرى. طرد الخبراء السوفيت ليقنع إسرائيل أننا ضعفاء، سرح جزء من الجيش ليزرع الطماطم، وأعلن عن عمرة للضباط. وفي عز الظهر، وتحت حرارة الشمس، عبر الجيش أقوى مانع مائي في العالم.
و هنا كان السادات عبقرياً. أعاد للجندي المصري كرامته، وللعرب كلهم إحساسهم بأن إسرائيل ليست قدراً لا يُهزم.
نفس عقلية المقامر التي عبرت القناة هي التي ذهبت إلى الكنيست في نوفمبر 77.
ايضا آمن أن ما أخذ بالقوة لا يمكن الحفاظ عليه إلا بالسياسة. كان يرى أن أمريكا تمسك 99% من أوراق اللعبة، وأن البقاء في الحضن السوفيتي سيجعلنا نحارب كل 10 سنوات دون تنمية.
ذهابه لإسرائيل كان زلزالاً دبلوماسياً. كسر حاجز الخوف النفسي الذي كان أقوى من خط بارليف نفسه. واستعاد سيناء كاملة، كل شبر فيها، بشهادة العالم كله، وهو ما لم يحدث مع أي دولة عربية أخرى استعادت أرضها بالتفاوض.
لكن هنا كانت نقطة التحول الخطيرة.
فأعتقد أنه يستطيع أن يخدع أمريكا وإسرائيل كما خدعهما في الحرب. اعتقد أنه سيأخذ سيناء اليوم وغداً يفرض حلاً للقضية الفلسطينية. فكان هو من تم خداعه استراتيجياً.
أمريكا أخذت مصر خارج الصراع العربي الإسرائيلي، وهذا كان هدفها الأكبر. وإسرائيل أخذت اعترافاً مجانياً من أكبر دولة عربية وتفرغت للضفة وغزة ولبنان.
السادات حقق نصره الوطني الكبير، لكنه خسر مشروعه القومي الأكبر.
لا يمكن أن تتهم السادات بالخيانة، لأنه وطني حتى النخاع أراد استعادة أرضه. ولا يمكنك أن تبرئه من المسؤولية التاريخية، لأنه فتح باباً لم يغلق حتى اليوم، باب أن تذهب كل دولة للتفاوض وحدها.
ظل رجلاً يعشق القرارات الكبرى المفاجئة، يكره العمل المؤسسي البطيء. ولهذا نجح في الحرب التي تحتاج قراراً واحداً شجاعاً، وتعثر في السلام الذي يحتاج نفساً طويلاً ومؤسسات تحميه.
مات السادات وهو يظن أنه حقق السلام الدائم، بينما كان السلام الذي وقعه هو بداية لحروب أخرى، حروب مياه وغاز واقتصاد ونفوذ، ما زلنا نخوضها حتى اليوم.
ونتائج عن هذا السلام حتى يومنا هذا يبرز في .
لو أردنا أن نحاكم كامب ديفيد، فلا نحاكمها بنصوصها المكتوبة، بل بما أنتجته على الأرض بعد 47 سنة. النصوص تقول سلام وانسحاب وتعاون، الواقع يقول شيئاً آخر تماماً.
تحييد مصر بمعنى الهدف الأمريكي تحقق كاملاً. مصر التي قادت أربعة حروب ضد إسرائيل خرجت من معادلة الصراع. النتيجة المباشرة كانت يد إسرائيل المطلقة في المنطقة. بعد 79 اجتاحت لبنان 82، وضمت الجولان، وبدأت مشروع الاستيطان الضخم في الضفة. لم يعد هناك جيش عربي واحد قادر على تهديد العمق الإسرائيلي. السلام مع مصر كان يعني ضمناً حرية الحركة لإسرائيل في كل مكان آخر.
أيضا سيناء الرهينة بمعنى استعاد المصريين الأرض نعم، لكنهم لم يستعادو السيادة الكاملة. سيناء ظلت مقسمة أمنياً لعقود، والتنمية فيها كانت ممنوعة بحجة الترتيبات الأمنية. هذا الفراغ هو الذي أنتج كل جماعات التكفير والتهريب. ولأول مرة في التاريخ أصبح الجيش المصري ينسق مع إسرائيل قبل أن يتحرك داخل حدوده لمواجهة الإرهاب. التعديلات الأمنية الأخيرة التي سمحت بدخول القوات لم تأت إلا بثمن سياسي كبير.
ومن هنال حرب المياه بدأت من فور خروج مصر من الميدان، بدأ التحرك الإسرائيلي نحو منابع النيل. خبراء الري الإسرائيليون في أديس أبابا ليسوا صدفة، وشركات الأمن التي تحمي سد النهضة ليست شركات خاصة. الهدف الاستراتيجي كان واضحاً: إذا لم تستطع أن تهزم مصر في سيناء، عطشها في النيل. وما نراه اليوم من تعنت إثيوبي مدعوم من الإمارات وإسرائيل وأمريكا هو الثمرة المباشرة لعزل مصر عن عمقها الأفريقي والعربي.
كذلك الاقتصاد المربوط بالمعونة الأمريكية التي كانت 2.1 مليار دولار تحولت إلى قيد. السلاح أمريكي فيجب أن يوافق الكونجرس، والقمح أمريكي فيجب أن توافق واشنطن، وحتى قرارك في صندوق النقد يحتاج رضا أمريكي. وفي نفس الوقت تم تفكيك قاعدة مصر الصناعية تحت شعار الانفتاح والخصخصة. فلا هم أصبحوا قوة صناعية تصدر السلاح، ولا هم حافظوا على مصانعهم القديمة.
فلسطين العربية ضاعت مرتين في كامب ديفيد عندما وعد السادات بحكم ذاتي للفلسطينيين، فأخذ الحكم الذاتي للسكان وليس للأرض. غزة التي كانت تحت الإدارة المصرية تركوها، واليوم هم مجبرون على إغلاق معبر رفح لأن الاتفاقية تفرض علينا التنسيق الأمني مع إسرائيل تحولوا من ظهر للمقاومة إلى حارس للحدود.
السلام أنقذ سيناء جغرافياً، لكنه وضع مصر كلها في شبكة مصالح أمريكية إسرائيلية لا تسمح لها بأن تتحرك إلا في الهامش المسموح به.
ولهذا تتمسك به واشنطن وتل أبيب بكل قوة حتى الآن ليس حباً في مصر، بل لأنه أفضل عقد تأمين حصلت عليه إسرائيل في تاريخها: جبهة مصر آمنة، وجيش مصر مقيد التسليح، واقتصاد مصر مرهون، ونيل مصر مهدد، وكل ذلك باسم اتفاقية سلام.
وهذا هو السر الذي يجعل أي محاولة مصرية للخروج من العباءة الأمريكية، سواء بشراء سلاح شرقي أو بالتقارب مع قوى أخرى، تقابل فوراً بالضغط والتهديد والتلويح بالمعونة والمناورات.
2026-10-08