السؤال الصحيح والسؤال الخائن للثورة السورية!
جمال الطاهات
هناك مخاوف وشكوك مشروعة متعلقة بمستقبل سوريا بعد الثورة. ولكن هناك تعبير عن هذا القلق محمول على أسئلة خطأ، يتم تركيبها بشكل يعوق البحث عن خيارات عملية “مشروعة”. وكل هذه الأسئلة تطرح بطريقة تفصل من يسأل ومن يجيب عن المشاركة في صياغة مستقبل سوريا. القلق على مستقبل سوريا مشروع، ولكن التعبير عن هذا القلق بأسئلة (تنتهي إجاباتها بخياري التأييد أو الشجب) لا تقود إلى فعل، ممارسة غير مشروعة، وغير عملية وغير مفيدة.
السؤال المطلوب المتعلق بمستقبل سوريا، او المتعلق بمستقبل أي دولة وبالذات الأردن، هو: ما المطلوب لتصبح هذه الدولة ديمقراطية؟ ما المطلوب لتصبح سوريا ديمقراطية؟ وكيف يمكن ضمانة عدم تكرار الخديعة وعدم السماح ببروز طاغية جديد؟ كيف نضمن بقاء سوريا قلعة للحرية، ورافعة للتحرر؟ ما المطلوب عمله حتى لا تصبح سوريا داعشية؟ كيف يمكن منع أن تتحول سوريا إلى مجرد دولة تابعة لتركيا أو إسرائيل؟ هذا هو نمط الأسئلة التي تفضي الإجابات عليها إلى خيارات وأفعال. فأي سؤال لا يبدأ باللازمة (ما الذي يجب فعله لضمان نتيجة محددة)، هو سؤال خائن، ويقود النخب والشعوب إلى أن تبقى في دائرة التبعية والبحث عما سيقرره ويفعله الآخرون، ويحصر دورها في تأييد أو عدم تأييد الأطراف الفاعلة.
ومن أبرز الأسئلة الخائنة، السؤال الذي يحصر أفق الإنسان في المراقبة. هل ستصبح سوريا دولة داعشية؟ هذا سؤال خائن. السؤال الصحيح هو: ما الذي يجب عمله حتى لا تصبح سوريا داعشية؟ سؤال خائن آخر، هل ستعيد الثورة السورية انتاج منظومة احتكار السلطة من خلال طاغية جديد؟ والسؤال التحرري الصحيح والذي يؤكد (شرعية من يطرح السؤال وصلته بالواقع) ويظهر استعداده للعمل من اجل الديمقراطية والحرية هو: ما الذي يجب عمله حتى نمنع أي طاغية من الاستيلاء على الثورة؟ ما الذي يجب عمله حتى لا ينتج في سوريا طاغية جديد؟ لنتذكر أن آل الأسد تسللوا واستولوا على حراك تحرري للشعب السوري بدأ من عشرينيات القرن الماضي. أي أن غياب العمل من أجل الحفاظ على الديمقراطية في سوريا سمح لحافظ الأسد من اختطاف سوريا، وتحويلها من رافعة لمشروع تحرري عظيم، إلى مجرد مزرعة لعائلة الأسد وحواشيهم. وهناك سؤال خائن وخطير، هل سيتسلل طاغية جديد يعيد انتاج النظام الديكتاتوري البائد؟ والسؤال الصحيح هو: ما الذي يجب فعله حتى لا يعود النظام القمعي البائد بحلة جديدة وعناوين ووجوه جديدة؟
هناك وضوح بديهي لأهمية التحول من السؤال الاستطلاعي للتاريخ، إلى السؤال الذي يقود إلى فعل. فالمطلوب من المثقفين والسياسيين الآن، ليس تخويف الشعوب من المستقبل، وتشكيكهم بأنه لا فرصة أمامهم إلى الاستسلام لما ستأتي به القوى الفاعلة وتفرضه علينا، وتأييد هذه القوة الفاعلة أو تلك. المطلوب من المثقفين والسياسيين الوطنيين العمل على مساعدة الشعوب على استرداد مصيرها بتوضيح فرص الفاعلية السياسية، وتحويل شعوبنا من قطعان تنتظر مصيرها إلى قوة فاعلة تصوغ واقعها ومستقبلها. فحاضرنا سيبنيه غيرنا إن لم نباشر ببنائه. ومستقبلنا سيحدده غيرنا إن لم نقوم نحن ببناء هذا المستقبل. هناك قوى لها مصلحة في خطف الثورة السورية، والقلق مشروع. ولكن المطلوب من المثقف أن يفتح الآفاق أمام الشعب، ويقدم ما يساعد على اشتقاق الخيارات العملية.
الوعي الذي لا يقود إلى فعل، هو وعي جبان وتافه، إن لم يكن خائن وعميل. المطلوب من المثقفين والنخب السياسية، مقاومة سلبية الجماهير، والتأكيد أن دورها ليس تأييد هذا الطرف أو ذاك، بل المشاركة في صناعة الراهن والمستقبل. المطلوب مثقفين ونخب سياسية للتغيير قادرة على اشتقاق خيارات ترد للقوى الشعبية فاعليتها. المخرج النبيل فيصل الزعبي كتب قبل أيام: ” الخوف على مستقبل سوريا مشروع، ولكن من غير المشروع التباكي على عهد الطاغية ونظامه”. وهذا ربما مفتاح لفهم أن المطلوب من المثقف، فتح بوابات المستقبل عبر المساعدة في صياغة الخيارات.
استمناء التاريخ والماضي، يحول المثقف (أياً كانت هويته الأيديولوجية) إلى نسخة داعشية بلون مختلف. المثقف الذي يدّعي التقدمية ويدعوا للتحرر، ويقوم بـ (يشق الثوب) على سقوط الطاغية، هو لا يختلف عن الداعشي الذي يريد أن يعيد الامة إلى عهد التنقل على الجمال والحمير. المثقف الذي يبكي بسبب سقوط الطاغية هو عدو للتقدم والتحرر، وعدو للحرية. وحتى يواجه مخاوف المستقبل المشروعة عليه أن يتخلى عن سؤال (هل…)، وأن يتمسك بسؤال (ما الذي يجب عمله حتى ….). والمثقف والسياسي الذي لا يستطيع تحديد الخيارات العملية، عليه التأكيد على أهمية البحث عن هذه الخيارات العملية، والدعوة لإيجادها. فعدم توفر الخيارات العملية، وعدم توفر الإجابة على سؤال (ما الذي يجب عمله حتى يتحقق كذا… أو حتى نمنع كذا)، نقول، حتى لو لم يمتلك المثقف الإجابة على هذا السؤال، عليه أن يتمسك بالسؤال الصحيح، وأن يطالب بتقديم الإجابة عليه، باعتباره مفتاح الفاعلية لصناعة الحاضر والمستقبل، وليس الاكتفاء بموقف التأييد والشجب.
وللتذكير، من يشق الثوب مشيراً إلى المؤامرات … كل ثورة تستدعي القوى الخارجية للتآمر عليها. وكل دولة هي موضوع تآمر من الآخرين الطامعين أو الخائفين. ومن يريد أن يعيش في المجتمع الدولي، وألا يفنى عليه أن يعمل على حماية نفسه من المؤامرات. وفي مواجهة المؤامرات، السؤال الحقيقي التحرري والوطني هو كيف نواجه المتآمرين، ونحمي سوريا الشعب والأرض من المتآمرين؟ الطاغية قدم إجابته وقال نواجه المتآمرين بتكميم الأفواه، وقمع الحريات ومصادرتها، وإطلاق يد الفاسدين لنهب كل ما يستطيعون نهبه. والنتيجة مزيد من المؤامرات، ومزيد من القمع، ومزيد من الفرص الضائعة للتقدم والتحرر. والبديل لطريقة الطغيان في مواجهة المؤامرات، هو تمكين القوى الشعبية من مفاتيح الفهم العملي الذي يحافظ على فاعليتها.
أخيراً، نقول للمدافعين عن الطغيان. أنه لا يوجد نظام سياسي أكبر من شعبه، ولا يوجد زعيم له مشروعية اضطهاد شعبه، القائد العظيم يفعل قوى الشعب، ولا يدعي أنه بديل للشعب ويلغي فاعليته. ولا يوجد هف سياسي يبرر اضطهاد الشعب. الحكام خدم لشعوبهم، وخيار التحرير هو خيار الشعب، ولا يمكن إنجازه إلا بشعب حر واثق من نفسه…. مخادع وكاذب من يقول إنه بالإمكان تحرير الأرض بشعب مضطهد. فلا يمكن التحرير إلا بالشعوب الحرة. ولا يمكن لدولة حديثة أن تكون قوية وقادرة على التحرير إذا لم يكن شعبها حراً.
2024-12-18
