الرئيس بري.. ورسالة الاستقلال!
الخبر الاول الذي يستوقفنا اليوم هو الرسالة المعبرة والمثقلة بالرسائل والمعاني والدلالات.. التي وجهها دولة رئيس مجلس النواب الاستاذ نبيه بري.
رسالة دولة الرئيس ليست جديدة بل هي تقليد سنوي دأب عليه بما يمثل ومن يمثل، لكنها تأخذ هذا العام معاني اضافية، ونكهة خاصة لانها ليست مجرد تسجيل موقف ولا مجرد تعبير عن بروتوكول يستجيب لمهام المناصب التي يتولاها المسؤولون.. بل لان هذه الرسالة تدخلنا في صلب الازمات السياسية والوطنية والاجتماعية التي نواجهها كأمة وشعب ووطن.. وتقدم صورة لما يجب ان يكون عليه الموقف الرسمي.
فالاستقلال كما قال دولة الرئيس “ليس يوماً من تاريخ، وليس فعلاً ماضياً”..
ودولة الرئيس بري لا يطلق تعبيرا ادبيا لتعظيم الاستقلال، بل هو يفتح اعين البعض واذهانهم الى حقيقتين متلازمتين:
١- ان الاستقلال لا يتم بطرد المستعمر وحسب، بل هو في مرحلة الامبريالية، فعل بناء للوطن المستقل.. القادر على مواجهة خبث المستعمر الجديد، الذي يأتينا كالشيطان من حيث لا نحتسب.. والذي لم يتخل عن نزعة الهيمنة والسيطرة وسلب الارادة.. بأساليب جديدة في كل يوم.
٢- اننا اليوم في معركة استقلال حقيقية وكاملة الاركان في مرحلة تغول الامبريالية المتصهينة والمتحالفة مع الصهيونية العالمية التي تجاهر برغبتها في فرض الخضوع والاذعان والاستسلام على شعوب العالم، وخصوصا على شعوب منطقتنا العربية والاسلامية.
اجل اننا اليوم في حرب استقلال فعلية يغفل عنها كثيرون، وينخرطون بوعي او جهل في خدمة المستعمر الجديد، بافتعال ازمات جانبية وعناوين سخيفة لصراع اهلي عبثي، ويقدمون الاستقلال والوطن والمواطن، ذبائح لارضاء شهوة المستعمر الصهيوني والامبريالي للهيمنة والسيطرة. وهؤلاء هم من سماهم الامين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم: خدام إسرائيل.
وهذا ما يوضحه دولة الرئيس بري عندما يضيف: ان هذه الذكرى إنما هي دعوة لاستكمال معركة إستقلال الوطن وتحصينه:
من الإرتهان والخضوع ، وصون السيادة ، وتحصين الإرادة الوطنية من التبعية ، وتحرير الأرض والإنسان.
ويتوقف الرئيس بري عند محاولات المستعمر الامبريالي واعوانه في الداخل لاسقاط الجيش اللبناني، بكل ما يمثله من رمزية سياسية ووطنية.
فالجيوش ليست مجرد قوى عسكرية وترسانات اسلحة، بل هي في المخيال الوطني، ولاسباب تاريخية شتى، تحمل معنى الاستقلال والسيادة والكرامة الوطنية اكثر من اي مؤسسة اخرى في الدولة..
والجيش اللبناني في الظرف السياسي الراهن يحمل الى كل ما تقدم مسؤوليات استثنائية: منها ما يتعلق بمطامع الخارج ومنها ما تفرضه انحرافات بعض القوى السياسية وسقوطها في مستنقع الارتهان للخارج مما يضعف الاستقلال والوحدة الوطنية على حد سواء .
وامام العدوان الصارخ على المؤسسة العسكرية وقائدها الشجاع من قبل السلطات الاميركية تلبية لرغبة الكيان الصهيوني، وهو ما يتجاوز التدخل في الشؤون الداخلية ويتجاوز التطاول على رمز وطني هو بكل المعايير العمود الفقري للنظام والكيان والدولة، بل يصل الى حد الوصاية السافرة على الدولة ومؤسساتها.. وارتهان كامل الشعب ومستقبله..
امام هذا الواقع المقلق جاءت دعوة دولة الرئيس بري لتمثل الرد الوطني الفعلي على العدوانية الاميركية الصارخة.. اذ ان دولة الرئيس دعا “لمكافأة قيادة المؤسسة العسكرية وجنودها وضباطها ورتبائها وليس التشكيك والوشاية والتحريض عليهم في الداخل والخارج وإستهداف دورهم الوطني المقدس”.
واخيرا وامام “عدوانية اسرائيل التي كانت ولا تزال تقف حائلاً بين اللبنانيين وبين إستقلالهم الحقيقي الناجز براً وبحراً وجواً” لفت دولة الرئيس الى ان اللبنانيين “هم أمام اختبار مصيري لمدى استحقاقهم “الاستقلال” والى ان “ميدان هذا الاختبار اليوم هو الجنوب الذي يجسد صورة مصغرة عن لبنان الوطن والرسالة”..
لان الجنوب كان منذ البداية مقياس الوطنية ومعيار الاستقلال.. وقد تحمل تبعات هذا الدور وهذا الموقف بسيل من الدماء ووفود من الشهداء، منذ عشرينات القرن الماضي عندما رفض هذا الجنوب الانتداب الفرنسي والوصاية الاجنبية ودعا بقيادة السيد عبدالحسين شرف الدين الى الاستقلال الناجز، في وجه النخب السياسية التي قبلت الانتداب ورضيت الوصاية الاجنبية تحت شعارات طائفية رخيصة ومصالح مناطقية ضيقة.
وهذا الجنوب تحمل ايضا الوزر الاكبر للصراع العربي الاسرائيلي وما جره على لبنان من حرب اهلية فجرها ابناء مرحلة الانتداب انفسهم وفرضوها على اللبنانيين حربا طائفية بشعة، وقف الجنوب والبقاع والضاحية في مواجهتها بقيادة رمز الوطنية والسيادة الاول سماحة السيد المغيب موسى الصدر الذي دفع شخصيا ثمن هذا الحرص على الوطن والتصدي لمؤامرة التوطين والتقسيم ولا يزال.
واليوم ايضا لا نقول ان التاريخ يعيد نفسه بل هي سلسلة الاحداث لا تزال متواصلة ولا يزال الجنوب ومعه شرفاء لبنان يدفعون الثمن بقيادة المقاومة التي أرسى دعائمها الراسخة سماحة الشهيد الاسمى شهيد الامة سماحة السيد حسن نصرالله.. لمواجهة تحديات الاستقلال الحقيقي والسيادة الوطنية الناجزة.
فليس كثيرا ان يقول دولة الرئيس ان الجنوب هو معيار الوطنية والاستقلال اليوم.. ليس لاستدرار العطف والمساعدة ، بل لان ذلك هو الحقيقة السياسية التي يحاول البعض تجهيلها..
ان قضية الجنوب والصراع مع العدو الصهيوني الطامع والمتغول هي المفتاح الحقيقي للاستقلال والسيادة والكرامة..
2025-11-20