“الدّبلوماسية الزراعية العسكرية” الصهيونية!
الطاهر المعز
التجارة السامة للأعمال الزراعية الصّهيونية
في النّقب ( جنوب فلسطين المحتلة، متاخمة لغزة) ينهب المستوطنون الماء والأرض، فيما تمارس سلطات الإحتلال حصار الفلسطينيين، أصحاب الأرض الشّرْعِيِّين، في ظل استمرار عملية التجريد المُمَنْهَج من الأراضي ضد من تُسمِّيهم “البدو”، لإزاحة محاصيل البدو التي تَكَيّفَت على مر القرون مع مناخ المنطقة القاحل، ولتخصيص هذه الأراضي الشّاسعة للزراعة الصناعية والزراعات الأحادية، التي تتطلب كميات هائلة من المياه، بما في ذلك الصّبّار الذي كان ينبت بشكل طبيعي على الحواجز الترابية ولا يحتاج إلى المياه، قبل أن تزرع الشركات الصهيونية – مثل نتافيم التي تتعاون مع الجيش الصهيوني – الصّبّار المُعدّل وراثيا (والذي يحتاج إلى الرّي ) في فلسطين والمكسيك وفق منصّة هذه الشركة للزراعة “الذّكية” التي تُتيح أنظمة الري بالتنقيط لزيادة إنتاجية مزارع الصبار الصناعية التي يعتبرها سكان الريف في المكسيك رمزًا للدّمار والخراب وسبق أن حذّرت فرانشيسكا ألبانيزي، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالوضع في الأراضي الفلسطينية المحتلة، من هذه الشّركة بسبب علاقاتها وتعاونها الوثيق مع شركات التكنولوجيا العسكرية الصهيونية لتطوير المُستعمرات الإستيطانية في الضفة الغربية والقدس، كما أوْرَد نفس التّقرير و شركة “ميكوروت” التي تحتكر توزيع المياه في الضفة الغربية وغزة وشركة الألبان “تنوفا” التي تمتلكها مجموعة برايت فود (شنغهاي) التي تستفيد من تدمير صناعة الألبان الفلسطينية، وشركة أداما التابعة لمجموعة سينجنتا (الصين/سويسرا) التي تبيع المبيدات الضّارة بالأرض وبالإنسان وشركة هازيرا للبذور تابعة لمجموعة ليماغراين (فرنسا) وشركة تاهال، التي تبني البنية التحتية للمياه، تابعة لشركة كاردان (هولندا/الكيان الصهيوني)، وشركة ريفوليس لأنظمة الري، والمملوكة لوزارة المالية في سنغافورة، وشركة حيفا للكيماويات التي تستفيد من استثمارات مجموعة ترانس ريسورسز الأمريكية، وتستفيد هذه الشركات الصهيونية وغيرها من الإستثمارات الأجنبية ومن التعاون مع شركات أمريكية وأوروبية وصينية وآسيوية…
لطالما نددت منظمة UAWC ( اتحاد لِجان العمل الزراعي في فلسطين) بالهجوم الصهيوني على أنظمة الغذاء الفلسطينية واقتلاع أشجار الزيتون المعمرة، لإزاحة الفلاحين الفلسطينيين وتهجير الشعب الافلسطيني من وطنه ضمن عملية استبدله بالمُستعمِرِين القادمين من كافة أنحاء العالم، بدعم من مؤسسات التكنولوجيا والمصارف ومؤسسات الإستثمار الأجنبية، مما سمح لشركات الزراعات الصناعية الصهيونية بالإندماج في قطاع الأعمال الزراعية الدولي، وصدّرت نموذجها الضار إلى دول أخرى ( المكسيك وتشيلي والأرجنتين والمغرب والهند…)، مباشرةً أو من خلال فروع مسجلة في دول أخرى، لا سيما في ملاذات ضريبية مثل هولندا وسويسرا، للإستفادة من الدّعم المالي والسياسي في تلك الدّول، ضمن اتفاقيات التجارة الحرة، ولتَجنُّب المُقاطعة،
رسّخت الشركات الزراعية الصهيونية وجودها في الخارج بالارتباط بالمجمع العسكري، وتحظى الدول التي تستثمر فيها عموماً بأهمية جيوسياسية بالنسبة لتل أبيب، أو تُعدّ وجهات جذابة لمبيعات الأسلحة، خصوصًا في أمريكا الجنوبية، في إطار ما سَمّاه التقدّمِيُّون هناك “الدبلوماسية الزراعية العسكرية” مثل غواتيمالا، حيث دعم تجار الأسلحة الصهاينة والمستشارون الزراعيون، بالتعاون مع الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) عمليات القمع خلال عقد الثمانينيات من القرن العشرين، ودرّب الجيش الصهيوني الشرطة والجيش على إبادة الشعوب الأصلية وعلى بناء “قرى زراعية” على أراضيهم بعد تهجيرهم أو إبادتهم، وهي عملية اسْتِنْساخ لنموذج “الموشافيم” (التي ميزت الإستعمار الإستيطاني لأراضي الشعب الفلسطيني منذ منتصف خمسينيات القرن العشرين)، لِيُشَكِّل الفلاحون قوة عاملة رخيصة لزراعة محاصيل أحادية من الفاصوليا والبن المخصصة للأسواق الدولية، وكذلك للسيطرة على سكان الريف، الذين مُنعوا من مغادرة القرية تحت طائلة الإعدام، وتم تقديم هذه القرى في فلسطين كما في غواتيمالا على أنها مشاريع تنموية، ولعبت دورًا حاسمًا في استراتيجية مكافحة الثورة المُسلّحة التي استخدمها ريوس مونت، والتي أسفرت عن مقتل أو اختفاء قسري لمئات الآلاف من الأشخاص، سرعان ما أصبحت غواتيمالا سوقاً لمبيعات الأسلحة الصهيونية، ولا تزال غواتيمالا حليفاً للكيان الصهيوني الذي سيطر على قطاع الفلاحة وعلى الأمن وتقنيات المراقبة على الحدود وفي داخل البلاد، وأورَدت تقارير حركة المُقاطعة وسحب الإستثمارات ( بي دي إس) منذ سنة 2018، بيانات مفصّلة عن استيراد كولومبيا الأسلحة والتقنيات العسكرية والزراعية الصهيونية منذ عقود، كما طورت شركات زراعية صهيونية مشاريع باهظة التكاليف، بعضها فشل في ظروف مشبوهة بسبب التّحايل والفساد، وتغاضت السلطات الكولومبية عن الأمر…
أسست العديد من الشركات “المَدَنية” الصهيونية شركات تابعة لها في العديد من دول أمريكا الجنوبية وفي آسيا، وهي شركات مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالجيش وأجهزة الأمن الصهيونية، وتتمتع بعلاقات سياسية رفيعة المستوى، وتتعاقد هذه الشركات الصهيونية على تصميم وبناء وتجهيز وإدارة المشاريع، وتأمين التمويل بواسطة قروض من مصارف أوروبية أو صهيونية، بضمان من وكالة ائتمان صادرات صهيونية أو أجنبية، عبر شركة تابعة لها، تقع في ملاذ ضريبي، وعادة ما تتحمل الدّوَل المُضيّفة تبعات فشل المشاريع بسبب الفساد أو نفاذ الأموال أو بسبب عدم القدرة على التَّكَيُّف مع الظروف المحلية، وتعتمد مثل هذه المشاريع على الإستغلال الفاحش للعمالة المحلية الرخيصة، في البلدان المذكورة كما في غويانا وسورينام ودول كاريبية أخرى…
خلاصة الأمر إن كافة القطاعات الإقتصادية: الفلاحة والصناعة والخدمات والتكنولوجيا والتعليم والبحث العلمي والأكاديمي في الكيان الصهيوني (وفروعها في الخارج) مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالجيش والأعمال العسكرية والأمنية والتّجسس، ولا يوجد أي حد فاصل بين “المدني” و “العسكري” لأن الطبيعة الإستعمارية الإستيطانية للكيان الصهيوني مبْنِيّة على الإستيلاء على الأرض والوطن الفلسطيني وإبادة وإبعاد السكّان الأصليين للبلاد وتدمير تراثهم التّاريخي والثقافي والحضاري، وعلى سبيل المثال، هاجمت قوات الإحتلال الصهيوني ( الأول من كانون الأول/ديسمبر 2025) مكاتب الاتحاد العالمي للمزارعين (UAWC) في رام الله والخليل، واعتقلت أعضاءً من المنظمة وصادرت جميع معدات المكاتب، كما استهدفت البنية التحتية لبنك البذور الفلسطيني في الخليل، مما أدى إلى تدمير مخزون البذور الذي يُمثّل التراث الجيني النباتي للشعب الفلسطيني…
2026-01-22