منطق السحرة والمشعوذين الذين يعتقدون أن تمائمهم تنشئ واقعاً بديلاً، تتجاهل ما شاءت أن تخفيه، وتسعى لإنشاء فهماً خاصاً “غير موضوعي” للوقائع بفاعلية القائل وليس بموضوعية القول، تجلى في مقابلة الملك مع جريدة الرأي يوم 24 تموز 2022.
تجاهل الوقائع إلا تلك التي تساعد على تمرير تمائم المشعوذين، “تقنية قول” متخلفة تعود لمرحلة الدعاية النازية في الإعلام، وتتجاهل كل ما حصل منذ الحرب العالمية الثانية حتى اليوم. فالملك الذي يدعوا الأردنيين لعمل أحزاب على قياسه، يتجاهل عشرات مساجين الرأي، وإضرابات الموقوفين في السجون عن الطعام، والاعتقالات في الشوارع، والفعاليات الحراكية واعتصامات العاطلين عن العمل، وحديث الناس عما نهبه هو وعائلته من موارد الدولة، ويذهب كأي مشعوذ -يترك كل ما يعاينه الناس بكامل حواسهم بحثاً عن جناح خنفسة بكر، أو قدم نملة عوراء- للحديث عن رفضه لصالونات أركان حكمه، مؤكداً أنه يستمع بدقة (المتلصص المتجسس) لأصوات الأردنيين وتعبيراتهم، التي يتجاهلها كلها، ويقدم بدلاً منها رؤيته النبوية.
لقد تجاوز الملك في حديثه الأخير هامش نرجسية المشعوذين والسحرة نحو الوقاحة والصفاقة، متجاهلاً حقيقة أنه يتدخل بسلوك الناس في بيوتهم. مما يضع المعارضة الأردنية أمام استحقاق واضح، وهو ضرورة مغادرة خطاب الماضي التصالحي الإصلاحي، نحو فك الارتباط بين الدولة ونظام الحكم فيها. فالحقيقة التاريخية أن ثابتيّ الدولة شعبها وأرضها فقط، ونظام الحكم فيها متغير. وهذا ما يجب أن يتكرس، مع مغادرة حاسمة للخطاب القائم على “نُصح الملك وعائلته”، فهو لا يريد النصيحة من أحد، بل إنه ما زال متمسكاً بما قاله حين تولى الحكم بأنه “سيعمل ما يريد… والي بفتح تمه بسكرله إياه”.
فالخطاب الأخير أرسل رسالة ذل ومهانة لمن يتمسك بمقولة أن النظام مكون عضوي للدولة. فالحقيقة أن الملك وعائلته لا يرون الشعب مكون عضوي وموضوعي في الدولة، ومن المعيب والمذل أن تبقى القوى الديمقراطية والشعبية تصر على عدم فصل الدولة عن النظام، وتكرار القول بأن لا أحد يفكر بالدولة دون الملك وعائلته.
فالملك يصر أيضاً بأن لديه “رؤية” -كما حال الأنبياء- وبرنامج تنفيذي لها عابر للحكومات، مختصراً الشعب وانتخاباته وحكوماته ومجالس نوابه إلى مجرد أدوات لإنفاذ “رؤيته التي لا أحد يعرف تفاصيلها”، ولكن الأردنيين -كما بقية العالم -عاينوا آثار ونتائج تنفيذها بأعينهم المجردة على مدى عشرين عاماً، وخلاصتها تردي اقتصادي، واذلال واستبداد، ونهب لموارد الدولة، ظهرت على شكل حسابات خاصة للملك ولأفراد عائلته ومنهم أخته غير الشقيقة التي باعت إحدى قصورها في ولاية فلوريدا الأمريكية بأكثر من 45 مليون دولار.
والمطلوب الآن، هو فك الارتباط مع شكل الدولة القائم، والتفكير بشكلها القادم، والتخلص من أوهام أن حصر برامج الإصلاح ضمن شكل الدولة الحالي، ضمانة لتسويات تمكن شعبنا من استرداد دولته سلطة وموارد، بصيغة تطمئن الملك وعائلته وتتجنب الصدام معهم ومع حواشيهم.
نحن الشعب أبقى من أي طارئ على بلدنا، ومن يريد أن يستمر بالحكم عليه هو أن يقدم التنازلات ويسعى للتسوية مع الشعب ويقدم له التطمينات، والخطوة الأولى أن يعترف بأنه يسمع ما يقوله الناس، ويتوقف عن استعمال لغة السحرة والمشعوذين، وسماجات لعبة التذاكي ومحاولات الخداع والتضليل.
نقطة الانطلاق إعلان موقف حاسم بأنه “لا توجد كينونة في الدولة أكبر من الشعب”، وعلى الملك وعائلته إذا رأوا أنفسهم أكبر من الشعب الأردني، أن يجدوا لأنفسهم مكان آخر يناسب “تصوراتهم عن أنفسهم”. لن يكون مقبولاً بعد مقابلة الملك الأخيرة أن تستمر المعارضة الوطنية بالقول؛ بأن النظام ثابت من ثوابت الدولة يجب إدامته، فهذه ليست مهمة المعارضة، بل مهمة الملك وعائلته، وعليهم أن يتحملوا عبئ ديمومة النظام إذا كانوا راغبين بالاستمرار في خدمة الشعب الأردني وليس تسيّده ونهب ثرواته. فالأردن شعباً وأرضاً ليس غنيمة حرب للملك وعائلته، وليس مكافئة لهم لقاء ما قدموه من خدمات للمستعمرين.
ليس مهمة المعارضة طمأنة الملك على مستقبله ومستقبل عائلته (الله عمره لا اطمأن). هذه مهمته هو أن يجد الصيغة التي تبقي الشعب الأردني راضٍ عنه وعن عائلته، فلا توجد طمأنينة له ولعائلته ما دام يضطهد الأحرار وينهب الموارد. على الملك وعائلته ان يثبتوا حسن النية، وأن يكرروا كل يوم قسم ولائهم للأردن أرضاً وشعبا، لا أن يطلبوا من الشعب أن يثبت ولائه لهم. الشعب من له الحق بأن يطمأن بأنهم لن يعودوا لممارسة النهب والتنكيل. وإذا الشعب أراد تغيير النظام فهذا حقه وهذا وطنه، وعليهم أن يخضعوا دون احتجاج لقرار الشعب.
أخيرا، لا بد من الإشارة إلى أن مقابلة الملك الأخيرة ليست انفصالاً عن الواقع فقط واستعارة لخطاب المشعوذين والسحرة غير المجدي في القرن الواحد والعشرين، بل انكشاف لأوهام الملك وعائلته أنهم أكبر من الواقع وأكبر من الشعب وأكبر من الدولة، وأنه بالإمكان تشكيل وعي الناس ودفعهم للتخلي عن حواسهم “بالتمائم” الملكية. والرد الذي يجب أن يكون حاسماً ولا مراء فيه، هو خطاب وطني يحقق الفصل التام بين الدولة ونظام الحكم فيها. الدولة للشعب وسوف يستردها كاملة غير منقوصة بكل سلطاتها ومواردها، وسوف يستعيد كل قرش نهبه الملك وعائلته وحواشيهم منها، وسوف تأخذ الشكل الذي يرتضيه الشعب ويطمئن له. فالشعب يحيا “الآن ماضيه وغده معاً” على حد تعبير محود درويش، ولا يمكن تقييد وعيه بأي منهما بالتمائم الملكية، مهما تيسر لها من تقنيات وادوات السحرة والمشعوذين.