إن دخول روسيا في الحرب الدائرة هو مخاطرة عالية الوتيرة . إن صمت أمريكا لا يمكن ان يكون تأييدا للحضور الروسي الفاعل في الأزمة العميقة في سوريا .بل إن امريكا وحلفائها كذلك يحسبون بدقة .
أعتقد أن الوضع الدولي العام قد بدأ حالة تقاطب وليس فقط من خلال طرح المةاقف والردود وغنما كذلك من خلال التصرف والسلوك . وقد بدأت سوريا الخطوة الأولى مقابل كل خطوات الإمبريالية الأمريكية والأوروبية وحلفائها في العالم .
هي إذن تعبير عن حالة صراع ، من حالات الصراع الأساسي والرئيس في العالم المعاصر .
ولا شك أن روسيا تتعرض لضغوطات عالية الوتيرة في ميدان الإقتصاد عن طريق العقوبات وكل أشكال الحصار والتضييق، وتستهدف هذه الضغوطات تحجيم روسيا داخليا وخارجيا.
في سياق هذا الصراع وتضارب المصالح خرج بوتين عن السياق وسار بشكل مجافي للتيار ولا شك أن البلد مستعدة لدفع الثمن فليس الأمر كله مكاسب بل أعتقد أنها تضحية في سبيل الوطن الروسي وتراكيب دولية جديدة .
وكذلك مساندة نزيهة للوطن السوري وقواه التي تدافع عن الوطن وتهاجم أوباش التحالف المعادي .
أعتقد أن روسيا حسبت وفقا للمعايير الدولية وجاءت إلى الميدان ، وفي ذهنها أن استمرار التآمر عليها في سياق الصراعات الدائرة حول النفوذ في العالم ، أن هذا التآمر قد يصل إلى مدايات أبعد إذا استسلمت له .
أين الخطورة ؟
الخطورة أن أمريكا قادرة من حيث المبدأ على الذهاب بالصراعات إلى مدايات بعيدة بحيث تكون كلفة الصراع عليها محدودة ماديا وبشريا أي تستطيع تجنيد تركيا والرجعيات العربية والحركات الإسلامية في وجه المد الروسي غير المدعوم محليا وغير المرحب به إلا من النظام السوري والحلف المحيط وقلة من المثقفين التقدميين المعادين للإمبريالية الغربية وسياساتها في المنطقة .
للإيضاح : كان حضور السوفييت في خمسينات وستينات القرن الماضي مثلا مرحبا به من الشعوب العربية بل ويلقى استحسانا، وكان العديد من النظم يرحبون بهذا الحضور .ولكنه اليوم ومن وجهة نظر الرأي العام العربي المبلبل والمشوش والمسحوق لا يستطيع أن يظهر الإنحياز للموقف الروسي . وبالطبع الحكام العرب بالإجمال رجعيون وخاضعون لإرادة الغرب بل وفي الحلف المعادي بالأقوال وبالأفعال.
ولدي تساؤل عن موقف الحكم العراقي ودوافعه وهل يبقى هكذا إلى النهاية ؟
لقد استفاد الغرب من تجربة أفغانستان ويمكنه تكرارها مطورة أو بما يناسب الحال مما يجعلني أتمنى أن يتم حسم الحالة سريعا أو على الأقل إحداث تغيير نوعي في مسارها بسرعة وبما يفتح المجال للنظام بحسمها بشكل من الأشكال وبدون تقسيم سوريا .
إن روسيا تدافع عن سوريا وهي بهذا تدافع عن الحلف الجديدوعن نسق دولي جديد هي جزء منه وهي الجزء القائد موضوعيا ، وفي هذا الموقف حفاظا على كل المصالح المشتركة المهددة من الغرب الإستعماري .
وليس كما ساق سلامة كيلة اليساري المدافع عن مصالح الغرب الإستعماري ويصطف مع تبعيته .
يقول سلامة كيلة :
“
بالتالي كانت سوريا ضرورة روسية، خصوصا وروسيا تفكر في العودة إلى “الشرق الأوسط” بعد التراجع الأميركي فيه. ولم تكن أميركا منافسا هنا، حيث أظهرت منذ بداية سنة 2012 ميلها لـ”بيع” سوريا لروسيا، ورتبت مبادئ جنيف1 معها، كما أوجدت معارضة تقبل بالحل الروسي. لهذا لم تكن روسيا تشعر بمنافسة أميركية في سوريا، بل بدعم متواصل لدورها السوري. المسألة الثانية تمثلت في أن تطورات الصراع المسلح فرضت أن تمسك إيران بالقرار السوري، حيث أفضى ضعف السلطة إلى استجلاب مئات آلاف المقاتلين لمنع سقوط النظام ومحاولة انتصاره. لهذا دفعت بقوات حزب الله والمليشيا الطائفية العراقية والحرس الثوري، ومن ثم باتت تقود الصراع العسكري مباشرة عبر ضباطها.“
ولكن سلامة كيلة بعد ذلك يتحدث برجاء حار مدفون في عيارات مختلطة يستدعي النظام الروسي لتعديل مواقفه بما يفسح لأمثاله مجالا ودورا في النتيجة النهائية . فهو يقول في مقال آخر:
“إحدى نقاط ضعف روسيا هي أنها ما زالت تتمسك ببشار الأسد، ربما لأنها لم تجد آخرين من داخل السلطة يقبلون التواصل معها، أو لأن بنية السلطة لا تسمح بإمكانية ظهور “بديل” من داخل السلطة، حيث التهمت كل احتمال لهذا الظهور. لكن ليس من بديل لإبعاد الرئيس ومجموعته المقربة لكي يتحقق استقرار ما يسمح لروسيا أن تحصد بعضا من مصالحها.” فهو ينصح الروس ليفعلوا شيئا كي ينجحوا ثم يؤكد لهم على أن إبعاد الرئيس ومجموعته المقربة يحقق استقرارا يسمح لروسيا بتحقيق مصالحها .
إنه من الصعب التكهن بالنتائج بالتفاصيل ، غير ان الإتجاه العام يوضح تراجع الحلف الدولي الأمريكي في سوريا لصالح تحالف النظام الداخلي بمساندة روسيا وإيران وحزب الله . بل أن تقدم الدور الروسي بهذا المستوى جاء في محطة من الصراع ظهر فيها تماسك النظام وأظهر مقدرة على القيام بالدور الحاسم بالدعم النزيه لسلاح الجو الروسي وأشكال الدعم الصيني والإيراني وحزب الله .
أي أن ثبات سوريا النظام والوطن والشعب هو عامل حاسم على قبول الروس للتدعم بهذا الشكال