[الحكمة والحصن]…!
وهي ما يُسمّى بالتنوير اليهودي والصهيونية
رنا علوان
عُرفت حركة التنوير هذه بإسم «الهاسكالا» وهى كلمة عبرية يمكن أن تكون الترجمة الأقرب لها بالعربية هى «الحكمة» ، وانتشرت هذه الحركة بدايةً بين يهود وسط وشرق أوروبا المعرفين بالأشكيناز
ولمعرفة السياق الذى ظهرت فيه «الهاسكالا» ، يجب ربطها بالتنوير الذي ظهر في القارة العجوز ، وما تلاه من عصر الثورة العلمية فى أوروبا الذي تمرد على المصادر والطرق الدينية أو غير العلمية بشكل عام فى دراسة الظواهر الطبيعية والاجتماعية والإنسانية
ومع حلول القرن السابع عشر ، ادى انتشار هذا التنوير الى تغيير قوي ومتسارع في أوروبا بشكل استثنائى وغير مسبوق ، وعليه قامت واستمرت النهضة الأوروبية ، كما وكان له أبعادًا سياسية واقتصادية فى القارة بدءًا من الثورة الصناعية وعملية الانتقال من الحياة القائمة على المجتمعات الإقطاعية أو شبه الإقطاعية إلى المجتمعات الحَضرية حيث سادت قيم الليبرالية والفردانية والديموقراطية والعلمانية على قيم العصور الوسطى البالية ، ليشكل ذلك ميلادًا جديدًا للقارة العجوز ، وجعلها فى غضون عقود قليلة سابقة وسائدة على غيرها من الحضارات القديمة
وكان اليهود فى أوروبا متوزعين بين ثلاث فئات رئيسية ، فئة هاجرت من إسبانيا والبرتغال واستقرت فى الإمبراطورية العثمانية وشمال إفريقيا وعرفت بالإنفتاح ومشاركة فى اللحمة الاجتماعية والاقتصادية للبلاد التى عاشوا فيها ، وفئة أخرى كانت متمركزة فى وسط وشرق أوروبا ، وكانت أكثر انغلاقًا وبالتالى كانت تعيش فى عزلة عن المجتمعات المحيطة بها ، بالإضافة إلى جماعات أخرى أقل تماسكًا وجدت فى إفريقيا وآسيا وأمريكا الشمالية ، وأقليات لا تقل اهمية في دول متفرقة كانت تعيش ظروف مختلفة بحسب البلاد التى كانوا فيها
[ لكن ما كانت تشترك فيه جميع الفئات هو تحدّثهم للغات مختلفة ، بحيث لم تكن اللغة العبرية تُستخدم بشكل موّسع فى الحياة اليومية ، واقتصرت فى معظم الأحيان على الطقوس الدينية ]
ومع دخول عصر التنوير ، بدأ عدد كبير من اليهود وتحديدًا من الفئة الثانية تطوير حركة “الهاسكالا” ، لتحقيق هدفين محددين
الهدف الأول ، هو قطع العزلة التى يعيشها يهود أوروبا الشرقية والوسطى عن مجتمعاتهم ومحاولة دفعهم ليكونوا جزءًا من الهويات القومية بحسب الدول التى يعيشون فيها من أجل إنهاء تهميشهم التاريخى
اما الهدف الثاني ، هو إعادة الاعتبار للغة العبرية واستخدامها فى الحياة اليومية العلمانية وعدم حصرها بالطقوس الدينية
قطعًا لم تكن غاية الهاسكالا من تلك الأهداف تهميش الهويّة اليهودية فى محيطها الاجتماعى ، بل على العكس تمامًا فقد كانت تتعامل مع اليهود واليهودية بإعتبارهم عنصرًا تاريخيًا مميزًا يجب الحفاظ عليه ، لكنهم دعوا فقط إلى إنهاء هذه العزلة ، ومشاركة القيم الأوروبية الحديثة المرتكنة إلى العلم والليبرالية والعلمانية ، ما يعزز بذلك وجودهم أكثر
لقد خلقت الهاسكالا جيلاً جديدًا من اليهود العلمانيين الحداثيين ، المتمسكين بهويتهم ، ولكن ليس على أساس دينى ، إنما على أساس ثقافى وعرقى ، ونجحت هذه الحركة التنويرية اليهودية ، فى اجتذاب الكثير من العلماء والمثقفين والفلاسفة إليها ، لكنها اثارت حفيظة بعض التيارات وعلى رأسهم التيار الحاخامي أي تيار اليهود الأرثوذكسي ، وهو الأكبر بين التيارات اليهودية في العالم والأوسع انتشارًا ، ويضم في صفوفه الجماعات المتدينة الوطنية اليهودية والجماعات الأكثر تزمتًا وتشددًا بما له علاقة بأصول الشريعة اليهودية ، وفي مقدمة هؤلاء الحريديم” الذين ينادون بالتمسك الشديد بكافة أصول الديانة اليهودية وشرائعها – التي حر فتها أيديهم- ويعتقدون بكل ما جاء في التوراة والتلمود
والأرثوذكسية ذاتها مكونة من عدة تيارات ، ولكن المشترك فيما بينها هو موافقتها وتوافقها على أن الشريعة اليهودية هي مركز حياة الشعب اليهودي كجماعة وأفراد ، ولا يعترفون ولا يوافقون على وجود دولة تجمع اليهود وفق أسس غير دينية أو وفق أسس سياسية لا تتناسب مع الرؤية الدينية السياسية للتيارات الدينية الأرثوذكسية المتشددة والمتزمتة امثال “نتوري كارتا” ، ولكن هناك عدة فتات في اليهودية الأرثوذكسية تؤمن بأن هذا التيار الذي تنتمي إليه يسير وفق كافة الأسس الموضوعة منذ سيس أو ظهور اليهودية كديانة ونهج حياة !!! فالأرثوذكسية اليهودية تتهرب من الاعتراف بواقع حصول تغييرات على مسارها التاريخي!!!
كما نجد انه بالرغم من تمسك اليهودية الأرثوذكسية بأسس وأصول الدين اليهودي وشرائعه وعاداته وتقاليده إلا أنها الأكثر تأثيرًا على عدد كبير من مناهج حياة المجتمعات اليهودية ، سواء المتدينة منها أو نصف المتدينة أو العلمانية ، والتي تحتاج إلى بعض الخدمات الدينية على مراحل حياتها الأساسية ، فاليهودية الأرثوذكسية تعتمد في عقيدتها وفكرها على التوراة بشكل عام وعلى التلمود بشكل خاص ، وتعتمد على أقوال وفتاوى حاخامات الأرثوذكس في سيير الحياة الدينية لليهود
وهؤلاء في البداية رفضوا تمامًا هذا الاتجاه العقلانى العلمانى وخشوا من أن انفتاح اليهود بهذا الشكل سيذيب هوياتهم المنفردة ، قطعًا
فضلاً عن أنهم كرجال دين كانوا يخشون زوال قوتهم وسطوتهم
أما التيار الثانى الذى عادى التنوير اليهودى ، فقد كان تيارًا راديكاليًا ، يرفض أى ادعاءات عن تمايز الهوية اليهودية ويدعو إلى أن ينخرط اليهود بشكل تام فى مجتمعاتهم التى يعيشون فيها
ورغم تمكن هذا التنوير اليهودي من إحداث ثورة كبيرة فى استخدام العبرية سواء بشكل مسموع أو مطبوع فى الحياة اليومية لليهود ، فضلاً عن تأثير الحركة الذي امتد إلى يهود العالمين العربى والإسلامى ، بالإضافة إلى يهود أوروبا الغربية ، إلا أنها واجهت خصومة كبيرة لانها أدت بنظر التيارات المُعارضة ، إلى استبدال الديانة اليهودية التي تعتبر الرابط بين يهود العالم ، بالثقافة اليهودية والإثنية اليهودية واعتبارهما الأسس الجديدة لما أسموه «الوحدة العالمية اليهودية»
وفى ثمانينيات القرن التاسع عشر ، تطور الأمر مُفضيًا إلى ظهور حركة جديدة كانت بمثابة ، “النتيجة للتنوير الأوروبى هذا” وهى [ الحركة الصهيونية العالمية ] التى أدت إلى مرحلة جديدة تطالب بوطن قومى لليهود على أساس علمانى
هنا نأتي الى مصطلح الحصن الذي ذكرناه في بداية المقال
فمصطلح الصهيونية هو مشتق من كلمة «صهيون» والتى فى معناها اللغوى المباشر تعني «الحصن» لكن دلالتها أوسع من ذلك ، فقد تم الإشارة إليها فى العهد القديم لتعنى أحد التلال المقدسة لمدينة القدس ، ولاحقًا أصبحت تشير بشكل عام إلى مدينة القدس كلها ، كما تعني أو تشير بشكل عام إلى الجنة الموعودة لليهود فى العالم الآخر
وفى استخدامات أخرى أكثر حداثة ، فإن «صهيون» يتم استخدامها بشكل عام فى الأدب العبري ، بل وحتى فى الثقافة المسيحية المحافظة فى أمريكا الشمالية للدلالة على المجتمع المثالى المنضبط الذى يعيش فيه الناس حياة روحية منضبطة تفضى بهم إلى الجنة فى نهاية العالم ، اي انه من لتحق بهذا الحصن “الصهيونية” سيضمن خاتمة جيدة لحياته ويضمن دخوله الجنة
ومع نهاية القرن التاسع عشر ، برزت الحركة الصهيونية على نطاق واسع ، بإعتبارها حركة سياسية بالأساس تنادي بقيام وطن يهودى أو دولة لكل يهود العالم ، وهي التي ستُنهي العقاب الإلهي لهم وتخلصهم من الشتات والانعزال والتهميش ، فهم كما يدّعون “شعب الله المختار” الذي سيظهر حتمًا بعد لم شملهم وتوحدهم على ارض المقدس
2024-03-04