الحرب الروسية – الأوكرانية.. مفترق في تاريخ العالم المعاصر..!
توفيق سلاّم
العالم يتغير بفعل الصراعات بين القوى المتنافسة والمتخاصمة، في مسارات التحدي المتعدد الأوجه للولوج نحو عالم التعدد القطبي، ومعها تتعرض الأوضاع الاقتصادية والسياسية والمالية الدولية لهزات متواصلة، فتنسف المعادلات المتعلقة بالتفوق العسكري الغربي، وباستقرار أوضاع التجارة الدولية، ومناعة الدولار الأمريكي، وهيمنة المنظمات المالية كصندوق النقد والبنك الدوليين، كما تتقلص صلابة الفرضيات المتمسكة بحتمية ثبات واستمرارية النظام العالمي “الأحادي” الذي فُرض بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.
أحداث عالمية مفصلية على مدى العقود الثلاثة الماضية شكلت المؤشرات على التبدل المتواصل في معادلات ومؤشرات موازين القوى العالمية تبدو ظاهرة في الصراعات الدولية بالتوازي مع ظهور الأقطاب المتنافرة. يرى محللون سياسيون أن الولايات المتحدة بريقها يخبو، مع الصعود للدول المنافسة، كل ذلك شكل زاوية الانكسار في مسار هيمنة القوى الغربية في المجمل، لاسيما بعد سلسلة عقوبات، ومواجهات وحروب وغزوات، في أوروبا، وإفريقيا وأفغانستان، ونشر الفوضى والخراب والدمار في المنطقة العربية.
مؤشر التحول العالمي
تبدأ فصول التحول العالمي للانتقال إلى التعددية القطبية منذ 24 فبراير 2022 مع موعد انطلاق العملية العسكرية على أوكرانيا، التي رسمت خارطة التحول في مسارات المواجهة العسكرية في وسط شرق أوروبا بين روسيا من جهة، وحلف الأطلسي بقيادة أمريكا من جهة أخرى ليشكل ذلك منعطفًا حادًا في التحولات العالمية. واشنطن راهنت على أن حرب الكرملين في وسط شرق أوروبا تفتح لها إمكانية استنزاف روسيا في مواجهة مماثلة لتلك التي خاضها الإتحاد السوفيتي في أفغانستان 1979 -1989، لتنهي محاولات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي تربطه علاقات استراتيجية قوية مع بكين، وتفتح الباب أمام إمكانية تقسيم الاتحاد الروسي إلى دويلات، وتقديم جزء من ثمرات الوضع الجديد لأوروبا لفرض هيمنة غربية عالمية أوسع. موسكو من جانبها كانت تدرك أن الحرب مع الناتو ستقرر مصيرها الوجودي لعقود قادمة واختارت أسلوبًا في المواجهة يخفض التكاليف ويضخمها للخصوم. وبعد ما يقارب عام ونصف على بداية المواجهة العسكرية في وسط شرق أوروبا يتابع جزء كبير من العالم تطوراتها، فكل انتصار للناتو يعني ترسيخ النظام العالمي الحالي القائم على الحروب والهيمنة والاستفراد بالعالم، ونهب ثرواته، وسلب الدول استقلالها، وجعل الإنسان قيمة استهلاكية للمنتجات الغربية، وكل انتصار للكرملين يعني أفول نجم الهيمنة الغربية وبداية مرحلة جديدة من التطور القائم على التوازنات والاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان، وبناء علاقات قائمة على الشراكات الاقتصادية والاهتمام باقتصادات البلدان النامية، وجعل التنمية المستدامة محور نهوضها الاقتصادي.
عزلة الغرب
اعتبر رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق، سيلفيو برلسكوني في مقال نشره في صحيفة “جورنالي” في 6 أبريل 2022، أن أحداث أوكرانيا كشفت عزلة الغرب عن بقية العالم، مما يعد مؤشرًا لمناخ جديد بدأ يخيم على المشهد العام في العالم، وينبئ بمولد نظام عالمي جديد، وخلص السياسي الإيطالي إلى أن “ما أظهرته لنا الأزمة الأوكرانية هو مؤشر مقلق للحاضر وخاصة للمستقبل. روسيا معزولة عن الغرب، لكن الغرب معزول عن بقية العالم”. بعد أشهر من الضجة التي أثارتها واشنطن وعواصم الناتو عن المساعدات الضخمة لكييف التي بلغت أكثر من 150.8 مليار دولار قيمة أسلحة وأموال تتيح للوكيل الأوكراني بمواجهة روسيا وهزيمتها، ومن ثم إجبارها على التفاوض بشروط الغرب، تظهر الأوضاع مع بداية شهر يوليو 2023 نتائج معاكسة على فشل الهجوم المضاد الذي بدأ في 6 يونيو الماضي، فقد أقرت كييف يوم الأحد 2 يوليو كما ورد في موقع الحرة الأمريكي، بأن القوات الروسية تتقدم في أربع مناطق على خط الجبهة في شرق البلاد حيث تدور معارك ضارية، مؤكدة في المقابل أن قواتها تحرز بعض التقدم في جنوب البلاد. وكان الرئيس الروسي بوتين قد أعلن منتصف شهر يونيو 2023 أن الهجوم الأوكراني المدعوم بإمكانيات الناتو قد تعرض لنكسة خطيرة وتكبدت القوات المشاركة فيه خسائر فادحة. وكتبت نائبة وزير الدفاع، غانا ماليار، على قناتها في تطبيق تليجرام أن “معارك ضارية تدور في كل مكان الوضع معقد”. وأوضحت أن “العدو يتقدم في مناطق أفدييفكا وماريينكا وليمان، وفي قطاع سفاتوفو”. وأضافت أن القوات الأوكرانية “تعمل بإصرار وبدون توقف على تهيئة الظروف لتحقيق تقدم سريع قدر الإمكان”. وذكر الموقع الأمريكي: تواجه كييف صعوبة في إحراز تقدم حاسم وتحض حلفاءها الغربيين على تسريع مساعدتهم العسكرية الموعودة مع قرب موعد انعقاد قمة حلف شمال الأطلسي في فيلنيوس يومي 11 و12 يوليو 2023. وكان رئيس الأركان الأوكراني الجنرال فاليري زالوجني قد طالب في مقابلة نشرت الجمعة الغرب بإمداد قواته بمزيد من الأسلحة، محذرًا من أن عدم حصولها على مقاتلات وقذائف مدفعية يعرقل خططها للمضي قدمًا في هجومها المضاد. وقال زالوجني لصحيفة “واشنطن بوست” إنه يشعر بالامتعاض حيال بطء إيصال الأسلحة التي وعد الغرب أوكرانيا بها. وأوضح أن حلفاء بلاده الغربيين ما كانوا ليبدؤوا هجومًا لا يضمنون فيه تفوقهم الجوي، في حين ما زالت أوكرانيا تنتظر تسلم مقاتلات إف-16 التي وعد بها حلفاءها. ونقلت عنه صحيفة واشنطن بوست قوله أيضًا إن لديه عددًا ضئيلاً من قذائف المدفعية بالمقارنة مع سيل القذائف التي تطلقها روسيا. وأعرب الجنرال الأوكراني عن أسفه تأخير إرسال الأعتدة إلى جيشه “بالقاتل” حد وصفه. أما الرئيس الأوكراني زيلينسكي فلم يتوان خلال استقباله في كييف، يوم السبت الأول من يوليو 2023، رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في اليوم الأول لتولي مدريد الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي، عن اتهام بعض الشركاء الغربيين لبلاده بالمماطلة في تدريب طياريها على قيادة مقاتلات F-16 الأمريكية، وذكر زيلينسكي “ليس هناك جدول زمني لمهمات التدريب، وقال :”أعتقد أن بعض الشركاء يماطلون، لماذا يفعلون ذلك؟ لا أعلم”. لكن واشنطن ردت بالقول إنها وحلفاءها يبذلون قصارى جهدهم لتزويد كييف ما تحتاج إليه. وفي برلين أشارت أوساط عسكرية أن ساسة كييف يحاولون تبرير تعثر هجومهم المضاد ويخشون من فقدان الناتو الأمل في قدرتهم ولو على إلحاق هزيمة ولو رمزية بروسيا.
إرسال ذخائر عنقودية
تتحطم آمال الغرب مع فشل الهجوم الأوكراني المضاد، وخسائر الجيش الأوكراني المستمر في مختلف جبهات القتال. فالعملية العسكرية الروسية الخاصة ثابتة أهدافها، وإن تغيرت خطط من يقف وراء نظام كييف. فالتوتر المستمر في الإمدادات العسكرية لا يؤدي إلى انخراط أكبر في الصراع، ولن يغير من الوضع شيئًا، خاصة بعد أن استنفد بايدن جميع موارد بلاده للأسلحة التي تدميرها، يعيد التفكير الآن بإرسال قذائف عنقودية وهو مخالف للاتفاقيات التي امتنعت واشنطن التصديق عليها، وللمرة الأخرى تغري واشنطن النازيين الجدد في كييف بآفاق انضمامهم للناتو لاستمرار الحرب، ولايهم استباحة دماء المدنيين، طالما ذلك سيحقق مصالح الغرب، ولا يهم الرئيس الأمريكي بايدن نتائج هذا التصعيد الخطير، وهو يعي ما يفعله. الخارجية الروسية تحمل واشنطن المسؤولية عن ارتكاب مثل هذه الجرائم، التي بسببها ستراق دماء الأبرياء، وتؤكد موسكو أن العالم الدولي يتحمل مسؤولية استمرار تجاهل ممارسة النازيين وأعوانهم، في مناطق العمليات العسكرية، الأمر الذي يحتاج لاستجابة سريعة تخفف معاناة المدنيين. وقالت السفارة الروسية لدى واشنطن إن الإدارة الأمريكية في الواقع تعترف بارتكاب جرائم حرب في أوكرانيا عبر تصريحاتها المتعلقة بتزويد كييف بالذخائر العنقودية، وأشارت السفارة إلى أن المتحدث باسم مجلس الأمن القومي جون كيربي صرح “أن المدنيين سيموتون بسبب الأسلحة الأمريكية العنقودية”، وقالت السفارة “أن واشنطن مستعدة لتدمير كل الكائنات الحية البعيدة عن حدودها بأيدي الأوكرانيين، وذلك من أجل حلم بعيد المنال بإلحاق الهزيمة الاستراتيجية بروسيا التي تدافع عن شعبها وأراضيها، بينما تساعد الولايات المتحدة النازيين بارتكاب أعمال إرهابية ضد السكان المدنيين”. بينما حذرت الخارجية الصينية من أن تسليم واشنطن غير المسؤول للذخيرة العنقودية لكييف قد يؤدي إلى مشاكل إنسانية، مشيرة إلى أنه لا ينبغي على الأطراف المعنية مفاقمة الأزمة. في الوقت الذي تواصل الولايات المتحدة سعيها لإطالة أمد الأزمة الأوكرانية، ومحاولة إنقاذ نظام كييف المنهار بعد أن دمرت القوات الروسية ترسانة الأسلحة الغربية بالكامل، هي الآن تلجأ إلى الأسلحة المحرمة دوليًا لتدفع بنظام كييف بمواصلة جرائمه ضد المدنيين. ويثير قرار الولايات المتحدة الأمريكية إرسال ذخائر عنقودية إلى أوكرانيا جدلاً واسعًا بسبب مخاطرها على المدنيين، في نفس الوقت يواجه هذا القرار معارضة حتى من أعضاء في الحزب الديمقراطي. هذا ويرجع البعض دافع واشنطن لهذه الخطوة فشل الهجوم الأوكراني المضاد، وتدمير الأسلحة الغربية. هناك لافتة حمراء أمام الدعم العسكري لأوكرانيا بالأسلحة المحرمة دوليًا، لكن واشنطن تصر على تجاوز ذلك، فكلما فشلت كييف بتحقيق التقدم المطلوب، كلما لجأت واشنطن إلى خيارات تصعيدية أكبر، رغم أن واشنطن ترى أن استخدام مثل هذه الأسلحة هي جريمة حرب، لكنها ومع ذلك تمنح الأوكرانيين هذه الذخيرة. عندما طالت التقارير “الكاذبة” عن استخدام روسيا للقنابل العنقودية، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارين جان :” إن ذلك جريمة حرب محتملة الآن نحن نقدم نفس الذخائر لأوكرانيا، هذا خطأ فادح واحتمال إلحاق الضرر بالمدنيين كبيرة للغاية”. ومع ذلك تبرر واشنطن أن منح كييف ذخائر عنقودية مشروط بعدم استخدامها في المناطق المدنية.
نهاية النفوذ
تتحدث العديد من الجهات الأمريكية عن بداية نهاية النفوذ الأمريكي في العالم، سواء على المستوى السياسي أو حتى على المستوى الاقتصادي، في ظل حالة من التغيير الكبير الذي يطرأ على النظام الدولي في الآونة الأخيرة. صحيفة نيوزويك الأمريكية أوضحت في تقرير لها في 3 مايو 2023، أن “القرن الذي شهد سيطرة الولايات المتحدة، بدأ في الانتهاء من منطقة الشرق الأوسط”، في حين رأى الرئيس المشارك في مجموعة الأزمات الدولية، فرانك غوسترا أن إلغاء اعتماد دول العالم على الدولار الأمريكي قد أصبح حتمية لا مفر منها.
التقرير الذي أوردته صحيفة نيوزويك، أعده توم أوكونور، نائب رئيس التحرير المختص بالشؤون الدولية والأمن القومي، وأكد فيه أن عبارة الرئيس الصيني شي جين بينغ، لنظيره الروسي فلاديمير بوتين عند لقائهما في موسكو مؤخرًا قال : “هناك تغييرات كبرى لم نشهد مثلها خلال قرن من الزمن”، لم تكن مجرد عبارة دعائية، بل أقرب لتكون حقيقة معبرة عن تغير كبير في النظام الدولي، ويضيف الصحافي “أن هذا الأمر واضح بشدة في منطقة الشرق الأوسط، الذي كرست الولايات المتحدة الكثير من موارده، لصياغة نظام القرن الحادي والعشرين، راصدًا ملامح هذا التغيير بالأدلة”. ولعل نجاح الصين في الوساطة بين المملكة العربية السعودية وإيران هي خطوة في انهاء التوتر في منطقة الشرق الأوسط ، وسحب بكين دور الوسيط الذي استحوذت عليه واشنطن لعقود، بين دول المنطقة.
وليست لدى الولايات المتحدة أي علاقات دبلوماسية مع طهران، بينما علاقاتها مع الرياض أصبحت مشوبة بالتوتر.
كما انتقد الصحافي الأمريكي أوكونور السياسة الأمريكية المتبعة مع دول العالم، حيث نقل عن الدبلوماسي الأمريكي المتقاعد، تشايس فريمان قوله: “نحن نتبجح ثم نهدد ثم نتوعد، ثم نفرض العقوبات، ثم نرسل الجنود، ونبدأ بالقصف”، مضيفا: “نحن لا نمارس أبدًا فن الإقناع”، ويعتبر فريمان الذي صاحب الرئيس السابق ريتشارد نيكسون في زيارته للصين عام 1971، وعمل سفيرًا في بكين لمدة طويلة، أن “لحظة التوهج الدبلوماسي لواشنطن قد ولَت منذ فترة طويلة، وأصبحت قدرتها على الضغط أضعف، ومع ذلك نتعامل مع العالم كما لو كنا لا نزال نمتلك القوة التي يمكن مواجهتها، كما توهمنا في نهاية الحرب الباردة”. ويشير أوكونور إلى ما يقوله الخبير الصيني البارز هوندا، أن بلاده ولوقت طويل كانت تتمركز في الموقع الذي يوفر لها ميزة تغيير موقفها دون خسائر، وكانت توطد علاقاتها بالكثير من الدول من منطلق المنفعة المتبادلة والاحترام، مضيفاً أنه “لم تثر الصين أي نزاعات مع أي دولة أخرى لعقود، ما يجعل أعداءها أقل ما يمكن، ويسمح لها بالعمل في بيئة دولية مواتية”.
ويضيف أن الصين تعد الشريك التجاري الأكبر لأكثر من 130 دولة حول العالم، كما وسَعت علاقاتها التجارية والدبلوماسية، مع الكثير من دول إفريقيا وأمريكا اللاتينية، وتبنت استراتيجية الحزام والطريق، لتطوير مشروعات البنية التحتية ل 150 دولة. ويؤكد أوكونور أن العلاقات مع دول الشرق الأوسط تعد أمرًا شديد الأهمية للصين، أكبر مستورد للنفط في العالم، وبالتالي تسعى السعودية وإيران معًا للحصول على علاقات تجارية أفضل معها، علاوة على الانضمام لدول البريكس، ومنظمة شنغهاي للتعاون، وهي الأمور التي قد تدعم الصين في مواجهة أي عقوبات من جانب الولايات المتحدة، مثلما حدث مع روسيا، بعد العملية العسكرية الخاصة.
زوال الأحادية القطبية
بعد تفكك الاتحاد السوفيتي أطلقت الولايات المتحدة الأمريكية عنوانًا عريضًا عن الحالة الكوسمولوجية للكرة الأرضية، وقد أطلقت على المشهد تعبير “النظام العالمي الجديد”، الذي تهيمن عليه بشكل مطلق، ولم يخل الأمر من تنظيرات أيديولوجية مغرقة في الأصولية الغربية، من قبيل ما فعله البروفيسور فرانسيس فوكاياما، في كتابه الشهير عن “نهاية التاريخ”، معتبرًا الرأسمالية هي الحد النهائي للتطور البشري، مصادرًا كل النظريات الفلسفية عن التطور التاريخي. ثم تبدت متغيرات استراتيجية في روسيا الاتحادية، مع تولي الرئيس فلاديمير بوتين رئاسة الدولة، وما بدا من رغبة جادة لإصلاح ما أفسده الرئيسين السابقين: بوريس بلتسن وميخائيل جورباتشوف، بعد أن خف تأثير الدولة بمقدار ما خفت قوتها، وفي محاولة لبناء الدولة الفتية، واستعادة دورها الدولي، وقد تحقق له ما سعى إليه، لتتغير صورة المشهد العام داخل روسيا الاتحادية، ثم اتضحت سياسة العودة إلى منافسة النفوذ الأمريكي داخل نظام القطب الواحد، وفي نفس الوقت تقريبًا تمدد نفوذ الصين عالميًا تحت مظلة النفوذ الاقتصادي من دول الجوار الجغرافي، إلى الشرق الأوسط وإفريقيا، إلى اختراق الغرب الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية اقتصاديًا وتجاريًا، وتقنيًا وكشفت الإدارة الصينية عن مبادرات التوسع والتمدد من خلال مشروع الحزام والطريق.
كانت مواقف روسيا والصين تستهدفان إيصال رسالة إلى الولايات المتحدة بأنها لن تستطيع أن تنفرد بالعالم، وكان هناك إحساس لدى الدولتين بأن الأمريكان يحاولون فرض سيطرتهم على العالم بأكثر من قدرتهم.. كانت تلك المواقف تخفي هواجس الرفض الأمريكي للنظام العالمي الجديد، في محاولة لاستمرار هيمنة القطب الامريكي الأوحد، بدعم رديفها من الحلفاء الأوروبيين. الثابت أن الفشل الأمريكي في الحفاظ على قواعد النظام العالمي القائم، بات مؤكدًا، كما أن وهم القيادة الأمريكية الأحادية للعالم قد انقشع، وبطلت رؤى المحافظين الجدد، أولئك الذين طرحوا مشروع القرن الأمريكي عام 1997 للسيطرة على مقدرات العالم، بعد أن صدقوا، وبقناعات مطلقة، خلاصات “فوكاياما” لنهاية التاريخ، وأضحت رؤى “هنتنجتون” عن الصراع الحضاري حول العالم بمنزلة مقدسات وألواح محفوظة.. حتى تبدت ملامح عصر مختلف لاحت بوادره فعلاً من خلال ضباب زادت كثافته فوق ساحة المواجهة على الأراضي الأوكرانية، بين روسيا من جانب، والولايات المتحدة وأوروبا الغربية من جانب آخر.
أوكرانيا نقطة فاصلة
تبدو أزمة أوكرانيا كأنها نقطة فاصلة في تاريخ العالم المعاصر، لاسيما بعد أن فشل الجميع في تحاشي الهجوم الروسي، دبلوماسيا، ثم وقف الإتحاد الأوروبي مع الولايات المتحدة الأمريكية، أكثر عجزًا عن الحل، إلا من عصا العقوبات الاقتصادية. وكان من الواضح أن القيصر بوتين كان لابد له أن يواجه التحدي الأطلسي الذي وصل إلى أقدامه لينقض عليه.
فالحرب الروسية – الأطلسية، هي حرب حول نظام التعدد القطبي، كانت الولايات المتحدة قد أعدت أوكرانيا لمواجهة روسيا، ومحاولة إعاقة ولادة هذا النظام، سيكون فيه لروسيا والصين والاتحاد الأوروبي موقع قيادي، إضافة للولايات المتحدة.
في ظل هذا المناخ الدولي الملبد بمتغيرات ومستجدات وتوترات ساخنة، نجد أن التقارب الروسي- الصيني، يتزايد وتتسارع خطواته، وتتوطد العلاقات بينهما، ويتم الإعلان على لسان وزيري خارجية الدولتين، أن النظام العالمي أحادي القطب “قد انتهى”، وبات واضحًا أن روسيا والصين قد شرعتا بشكل أو بآخر لعالم متعدد الأقطاب، بدأ يتشكل في منظومات وتكتلات اقتصادية، ومالية وتجارية، وفق علاقات حضارية جديدة، تضع عناوين لعالم أكثر عدلاً، وتطورًا في الشراكات الاقتصادية. ومع ولادة هذا النظام يفقد الدولار الأمريكي هيمنته الاقتصادية على العالم، ومعها يفقد الاقتصاد الأمريكي تفرده وصدارته، ويفتح المجال أمام قوى دولية صاعدة، مثل الصين وروسيا والهند ودول أخرى، لتجد لها مكانًا في قمة النظام العالمي، وهذه التحولات بالتأكيد ستفرز انقسامات في الاتحاد الأوروبي، ولابد أن تظهر أوروبا كقطب عالمي مستقل في هذا التعدد، وليس تابعًا للولايات المتحدة.
2023-07-17