النهب الأمريكي للنفط الليبي يزيد من حدة الصراع بين الأطراف الليبية!
أروى حنيش
شهدت الأزمة الليبية خلال الأشهر الماضية جملة من المتغيرات التي زادت من تفاقم الأوضاع وتعقيدها، فعلى الرغم من استمرار مساعي احتواء هذه الأزمة، فإن الصراع على السلطة لا يزال يسيطر على المشهد ويقف عائقاً أمام الانتقال لمرحلة التسوية والتهدئة، حيث بات كل طرف يعمل على تحقيق أكبر قدر من المكاسب من دون رغبة حقيقية في تقديم أي تنازلات. وفي سبيل تحقيق تلك المكاسب، وظفت الأطراف عدداً من الأدوات لضمان الهيمنة وامتلاك زمام الأمور. ويُعد اللجوء إلى النفط وتوظيفه في تلك المعادلة، أحد المتغيرات التي طرأت على الأزمة الليبية، وبالرغم من أن اللجوء لهذه الورقة ليس بالجديد، فإن التطورات التي يشهدها العالم على خلفية اندلاع الحرب الروسية – الأوكرانية قد أضفت بُعداً مختلفاً على أزمة النفط في ليبيا.
وقد أُصيب قطاع النفط الليبي بهزة عنيفة تصاعدت حدتها تدريجياً في منتصف أبريل 2022، وذلك على خلفية إغلاق آبار النفط، وتعطيل الإنتاج، ووقف التصدير من الحقول الرئيسة في البلاد.
وإعلان المؤسسة الوطنية للنفط حالة القوة القاهرة في عدد من الموانئ والحقول، كان مقدمة لموجة من الصدمات ذات التأثير الشديد داخل ليبيا وخارجها.
و لا يزال الصراع في ليبيا، يخفي الكثير من المصالح والعمليات، التي تقف بشكل رئيس وراء المشهد منذ العام 2011 حتى الآن.
نهب النفط
ويقف خلف تلك التحولات الجذرية الكثير من اللاعبين الدوليين المستفيدين من النفط الليبي، بدء من اكتشاف أولى الآبار منذ سنوات بعيدة مرورا، بقرار التأميم وبالحصار وفكه، وصولا لعام 2018، وبخصوص هذه الازمة قال المبعوث الأمريكي الخاص إلى ليبيا ريتشارد نورلاند، إن القضية المهمة المتعلقة بكيفية توزيع عائدات النفط واحدة من القضايا الكامنة وراء الصراع في ليبيا، وأفاد نورلاند بأنه سعيد كون تعليقاته الأخيرة أثارت مثل هذا النقاش المفيد بين القادة الليبيين لافتا إلى أن الولايات المتحدة عملت على دعم الجهود التي تبذلها أجهزة الدولة لإنشاء آلية لإدارة الإيرادات بشكل يتسم بالشفافية والمساءلة
واستنكرت لجنة الطاقة بمجلس النواب تصريحات السفير الأمريكي ريتشارد نورلاند بشأن النفط الليبي واعتبرتها تدخلا “سافرا” في الشأن الداخلي الليبي. وقالت اللجنة في بيان لها إن السفير الأمريكي ما يهمه هو تدفق النفط والغاز، ولا ينظر إلى معاناة أهل برقة وفزان وبعض مناطق طرابلس، ولا ينظر إلى فساد الحكومة منتهية الولاية. وأضافت لجنة الطاقة بمجلس النواب أن شأن إغلاق النفط شأن ليبي، رافضة التدخل في هذا الشأن، مؤكدة على التوزيع العادل للثروة بين كل الليبيين هو شأن ليبي.
وأضاف حماد أنه ستكون لهم خطوات أخرى للحفاظ على أموال الدولة، وكف أيدي العابثين، موجها المبعوث الأمريكي الخاص إلى ليبيا ريتشارد نورلاند باحترام سيادة القضاء الليبي، وعدم التدخل بالانحياز لأي طرف كان وعدم تغليب المصالح الخارجية على مصالح وحقوق الشعب الليبي كون ذلك يعد تدخلا سافرا في شؤون الدولة الليبية.
النفط وعدم الاستقرار
تعد ليبيا من أهم المصادر المهمة للطاقة القريبة من أوروبا، الذي قد يغني الأوروبيين ولو جزئياً عن واردات الطاقة من روسيا، حيث تحتوي ليبيا على 39% من إجمالي احتياطيات النفط في إفريقيا، وفي عام 2020 باعت ليبيا 63% من صادراتها النفطية إلى أوروبا، في المقام الأول كانت إلى كل من إيطاليا وإسبانيا وألمانيا بالترتيب، وبلغ إنتاج ليبيا من النفط أكثر من مليون برميل يومياً في عام 2021. وأصبح النفط أحد أدوات الصراع الرئيسة في ليبيا، ففي مارس 2022 قامت الفصائل المسلحة المرتبطة بفتحي باشاغا وحلفائه من شرق ليبيا بشن هجمات على منشآت النفط الليبية، وأغلاق عدد من الحقول النفطية، كذلك قام بعض زعماء القبائل الموالية لتحالف شرق ليبيا في أبريل 2022 بإغلاق عدد من المنشآت النفطية في جنوب البلاد، من ضمنها حقل “شرارة” الذي يعد أكبر حقل نفطي في البلاد، فضلاً عن قيام الجماعات المسلحة المرتبطة بقوات خليفة حفتر شرق ليبيا بإغلاق موانئ تصدير النفط الليبية. تم كل ذلك بهدف تقليص تدفق عائدات النفط من المؤسسة الوطنية للنفط إلى البنك المركزي الليبي، وهي مؤسسة لا تزال تحت سيطرة رئيس الوزراء الليبي المعترف به دوليا عبد الحميد الدبيبة، حيث يتوقع برلمان طبرق وخليفة حفتر أنه بدون أموال النفط الليبي لن تستطيع حكومة الدبيبة دفع رواتب الموظفين، وأفراد القوات المسلحة الليبية التابعة لحكومة طرابلس وسيضطره إلى التنازل عن السلطة.
لكن كما هو الحال دائماً، ظل الليبيون العاديون في طليعة المتأثرين بالصراع السياسي الداخلي، حيث تدهورت الظروف المعيشية للمواطنين بصورة كبيرة، بسبب نقص الوقود والكهرباء في الدولة الغنية بالنفط، كما أدى الصراع السياسي إلى صعوبات في الوفاء بالتزامات الميزانية بسبب خسارة يومية تقدر بنحو 60 مليون دولار، ناتجة عن وقف تصدير النفط، مما أدى إلى تهديد رواتب الموظفين الحكوميين وأفراد قوات الأمن في كلا المعسكرين، غرب وشرق ليبيا، بالإضافة لارتفاع أسعار السلع الأساسية. ونتيجة لتلك الظروف انطلقت في مطلع يوليو 2022 موجة من الاحتجاجات الجماهيرية التي اجتاحت المدن الليبية الكبرى، حيث كانت المطالب الرئيسة للمتظاهرين هي استقالة جميع هياكل السلطة في شرق وغرب البلاد. وقرر المتظاهرون النزول إلى الشوارع في حالة من الغضب لعدم قدرة السياسيين على تحقيق توافق سياسي، وتفضيلهم بدلاً من ذلك محاربة بعضهم البعض من أجل السلطة، على حساب معاناة المواطنين العاديين.
في 12 يوليو 2022 قام رئيس الوزراء الليبي عبد الحميد الدبيبة بخطوة استباقية، وأجرى تفاهمات مع اللواء خليفة حفتر، في محاولة لتعزيز وقف إطلاق النار وإنهاء الحصار على المناطق النفطية المستمر منذ أشهر، وكان الدبيبة قد بادر قبل التوقيع على توافقاته الجديدة مع حفتر، بإقالة مصطفى صنع الله مدير المؤسسة الوطنية للنفط، وتعيين بدلاً منه فرحات عمر بن قدارة، واقتحمت قوة مسلحة تابعة لرئيس الوزراء الدبيبة مؤسسة النفط الوطنية لتنفيذ قراره، بعد رفض مصطفى صنع الله رئيس هيئة النفط السابق تنفيذ ذلك القرار، حيث كان صنع الله على خلاف مع المتظاهرين المؤيدين لحفتر الذين كانوا يحاصرون موانئ النفط الشرقية منذ شهور، مما أدى إلى تدهور الصادرات النفطية، وانتهت تلك الاحتجاجات في غضون ساعات من عزل صنع الله، وبالفعل أعلنت الحكومة الليبية رفع الحظر على إنتاج وتصدير النفط الليبي عن جميع حقول النفط والموانئ.
تداعيات أزمة النفط
تسببت أزمة النفط وإعلان حالة القوة القاهرة في عدد من الموانئ وحقول النفط الليبية، في جملة من التداعيات على الصعيدين الداخلي والخارجي، وهو ما يمكن الإشارة إليه فيما يلي:
1- نزيف اقتصادي حاد: يُعتبر النفط المحرك الأساسي للاقتصاد الليبي، وتستحوذ صادراته على غالبية إيرادات الدولة، وما يزيد على 90% من إجمالي عائدات التصدير، وبالتالي بات انتعاش الاقتصاد الليبي، أو تأزمه مرتبطاً بشكل مباشر بوضع النفط في البلاد. وعليه فقد أثّرت أزمة إغلاق الحقول النفطية على الوضع الاقتصادي في ليبيا، إذ قاد تراجع الإنتاج لأكثر من 50% إلى خسائر كبيرة في القطاع بلغت نحو 60 مليون دولار يومياً، حيث أصبحت الدولة قادرة على إنتاج ما يقرب من 600 ألف برميل يومياً من أصل 1.3 مليون برميل. وهذا التراجع تسبب في فرض قيود على صادرات النفط، ما قلص شحنات التصدير إلى أدنى مستوياتها منذ أكتوبر 2020، في الوقت الذي يشهد فيه سوق النفط العالمي ارتفاعاً غير مسبوق في الأسعار بسبب الحرب الروسية – الأوكرانية، الأمر الذي يمثل فرصة واعدة يمكن استغلالها من الجانب الليبي لتعظيم المكاسب وتحقيق مزيد من الأرباح، وبما ينعكس بشكل مباشر على تحسن الأوضاع المعيشية في البلاد.
2- حضور أمريكي مُكثف في أزمة النفط الليبية: أعربت الولايات المتحدة الأمريكية عن قلقها إزاء الإغلاق النفطي في ليبيا، ما دفعها إلى الانغماس في الأزمة بصورة مباشرة، ومحاولة بحث آليات لتقريب وجهات النظر بين أطرافها لتجاوزها. ويتماشى هذا الموقف مع مُجمل التحركات الأمريكية منذ اندلاع الحرب الروسية – الأوكرانية تجاه دول “أوبك”، والتي تستهدف زيادة إنتاج الدول المُصدرة للنفط، بهدف خفض الأسعار عالمياً والعمل على إيجاد مصادر بديلة عن النفط الروسي، خاصة أن ليبيا تمتلك أحد أكبر احتياطات النفط في أفريقيا. من ناحية أخرى، تشير تقديرات متباينة إلى أن الجهود الأمريكية المكثفة في تلك الأزمة ناجمة عن تخوفها من إمكانية قيام موسكو باستغلال علاقاتها مع الشرق الليبي ولعب “دور المُفسد” لأية تسويات والعمل على زعزعة الاستقرار وإطالة أمد الأزمة؛ وذلك لممارسة مزيد من الضغط على أسواق النفط العالمية، ومن ثم إجهاض مخطط واشنطن الرامي لفرض حظر على النفط الروسي.
إن تكثيف الإجراءات الأمريكية في ليبيا سيدفع حتماً روسيا لزيادة دعمها للقوى السياسية والعسكرية في الشرق الليبي من أجل تحقيق التوازن السياسي والعسكري مع القوى التي يدعمها الغرب، كما أنه من الضروري أيضاً أن نضيف أن فتحي باشاغا، الذي يتواجد أنصاره في وسط البلاد، في المنطقة الفاصلة بين القوات الموالية لخليفة حفتر والقوات المرتبطة بحكومة الدبيبة في المنطقة الغربية، مضطر إلى المناورة في خطابه السياسي فيما يتعلق بالأجندة الدولية، فبالرغم من أن روسيا كانت أول الدول التي رحبت بتعيينه في منصبه، فقد أدان باشاغا علناً الحرب الروسية في أوكرانيا، كما التقى السفير الأوكراني في ليبيا مؤكداً موقفه الداعم لكييف.
3- محاولة الأطراف الليبية تحقيق مكاسب سياسية: سعت حكومة الوحدة الوطنية المنتهية ولايتها برئاسة الدبيبة، لتأمين مكسب سياسي وذلك بالإعلان عن تشكيل لجنة من المعنيين تستهدف صياغة خطة لتطوير قطاع النفط، وزيادة الإنتاج لنحو 1.4 مليون برميل يومياً. بيد أن مساعي الدبيبة يمكن أن تصطدم بعدد من الاعتبارات التي قد تحول دون استثمار هذه الأزمة بشكل مناسب؛ ومن بينها أن أغلب حقول النفط تقع في المنطقة الجنوبية والشرقية والتي تطالب بالإطاحة بحكومة الوحدة المنتهية ولايتها ونقل السلطة للحكومة الجديدة، وهو ما يمكن أن يصب في صالح باشاغا بشكل مباشر من خلال حرص المجتمع الدولي على الدفع تجاه حل أزمة الحكومة الموازية خوفاً من تكرار إغلاق حقول النفط نتيجة الاعتراض على استمرار الدبيبة في السلطة.
2023-07-17