الحدث التاريخي موضوعاً للفهم، وليس للمحاكمة!
جمال الطاهات
بعيداً عن تأييد السابع من أكتوبر أو إدانته. فأكثر الدعوات افلاساً وانحطاطا هي تلك التي تتبنى محاكمة الاحداث التاريخية بين معياري الصواب والخطأ. التاريخ لا يحاكم، ولكن يبنى عليه. الوعي (الدايخ) والعاجز عن اشتقاق خيارات الحاضر، هو الذي يدعو لمحاكمة الماضي، ومحاكمة الأحداث التي غيرت المسارات. ارتداء الوعي المنحط اثواب الحكمة، والدعوة لمحاكمة الماضي، لا تخفي الإفلاس.
الدعوة الصادقة و”الواعية” لوعي الماضي وفهمه، لا تكون من أجل تشكيل حلقات الدبكة للتغني بالماضي والتسحيج له، كما أنها ليست دعوة لسب الماضي ولعنه والتنكر له والتنصل منه -كلاهما خيار غبي وتعبير عن تفاهة الوعي وانحطاطه. بل ان دراسة الماضي من أجل اشتقاق خيارات جديدة في ضوء التحولات التي فرضها. فهم الماضي ليس للانقسام بين مؤيد له ومعارض، بل من أجل تبين المسارات نحو المستقبل في ضوء ما جرى من تحولات.
موضوعياً، لقد تغيرت المسارات، منذ تلك اللحظة التي احتضنت فعلاً تاريخياً حاسماً. ومحاكمة الأفعال التي رسمت ملامح “لحظة التحول”، هو تعبير عن الافلاس والعجز عن اشتقاق الخيارات والبناء عليها. فأهم ما يميز الأحداث التي تغير القواعد، وتعيد ترتيب العلاقات، هي أنها ماض انقضى، ولم يعد بمقدورنا تغييره، ولكن بالتأكيد بمقدورنا البناء عليه. الكثير من الخيارات التي كانت متاحة قبل انبثاق “الحدث التاريخي” تفقد قيمتها، ولا تعود متاحة، وتصبح شكلاً من الانتحار السياسي.
الفيزياء والرياضيات تشجع على فهم المنظومات السياسية والاجتماعية والثقافية بمنطق ميكانيكا الكم، وليس بمنطق كلاسيكي. فالمسارات التي كانت ممكنة ومتاحة قبل الحدث، لا تعود متاحة بعده. فهناك ضرورة للبحث عن مسارات جديدة. وما سمي نظرية لا نهائية الخيارات والمسارات (Equifinality) لها تتمة وهي تأثير المسارات نفسها على عملية الانتقال.
وبعيداً عن الحوار التجريدي، دعونا نتوقف عند دعوات محاكمات الماضي. فمثلاً، ظهرت أصوات كثيرة، تطالب بمحاكمة الذين أطلقوا الثورة الجزائرية بتهمة الخيانة. وهناك من طالب باستسلام حكومة الجزائر في المنفى، وتقديم أعضائها للمحاكمة، بمن فيهم بن بيلا ورفاقه. كما كانت هناك أصوات تدعو لمحاكمة الذين أطلقوا الثورة الفلسطينية عام 1936. المعضلة أن ننساق إلى الحوار (الدايخ) والغبي لتقييم الماضي. الماضي (مضى وانقضى)، تعالوا نناقش خيارات الحاضر.
لسنا في معرض التسحيج للسابع من أكتوبر، ولا في معرض إدانته ولعنه وسبه، ولكن الدعوة لكل من يدعي الفهم، تتركز على المساعدة والمساهمة في اشتقاق خيارات عملية في ضوء ما تحقق من تحولات. من المعيب أن يتوقف العقل، وأن يسقط رهينة غواية استمناء الماضي. فهذا معيب وتعبير عن (عنة) العقل. والبديل هو فحولة العقل، والقدرة على المضي قدماً لإخصاب الحاضر بخيارات فعالة، تعيد انتاجه، وتهيئ لمستقبل بديل.
ببساطة الدعوة لمحاكمة الماضي، هي من أجل شل الشعوب واخراجها من صناعة مصيرها. معضلة غزة الآن، تتمثل في قدرة فاعل تاريخي (اليمين الإسرائيلي) في ارتكاب مجازر دون رادع. والسؤال الذي على الجميع مواجهته هو كيف نضمن عدم حصول مجزرة غزة مرة أخرى، وفي مدينة أخرى؟
كيف نضمن أن لا تقوم إسرائيل بتنفيذ مجزرة جديدة في إربد، أو عمان، أو السلط؟ كيف نحمي المدن الأردنية، ونكون قادرين على ردع اليمين المتوحش من القيام بتنفيذ مجازر جديدة ضد شعبنا؟ الاصطفاف الآن ليس لتقييم الماضي، ولكن من أجل رجم الأصوات التي تقول الاستسلام يحمينا من وحشية اليمين الإسرائيلي؟ فهذه الأصوات تعبير عن وعي منحط، يجب التخلص منه ورجمه، والبحث عن وسائل القوة لردع عدوانية اليمين الإسرائيلي.
2025-07-31
