الثورة والديمقراطية والواقعية السياسية!
جمال الطاهات
لا تحصل الشعوب على الديمقراطية وتديمها، إلا إذا امتلكت خيار الثورة بشكل دائم. وتاريخ الأردن في العقود القليلة الماضية يثبت بأن القوى الديمقراطية التي تتخلى عن الخيار الثوري، تحرم شعبها فرص الإصلاح والديمقراطية وفرص الثورة كذلك. فقد كانت المصالحة مع الملك وعائلته، وطمأنته بالقول بأنه جزء من الحل وليس المشكلة، والتخلي عن الخيار الثوري، خطأ كبير، ودعوة مفتوحة له لكي يستبد ويفسد وينهب هو وعائلته بلا قدرة على محاسبته.
وتجارب الشعوب تؤكد على أن الملوك لا يصلحون إلا تحت التهديد بالعزل وفقدان السلطة. إذ أن غياب الخيار الثوري، يقدم الفرصة للمستبد الفاسد وعائلته وحواشيهم، ليسوموا الشعب خسفاً ويذلوه، ويصادروا حاضره ومستقبله وينهبوا موارده. فليست الثورات هي التي تدمر الشعوب والدول، بل إن غياب الخيار الثوري هو الذي يغري المستبدين الفاسدين بتدمير الدول ونهبها وإذلال الشعوب وتشريدها.
نظرية الواقعية السياسية تؤكد على ضرورة الاستعداد للمواجهة كوسيلة لتجنبها. فلا يمكن صيانة السلام إلا بالاستعداد للحرب. فلا شيء يبعد الحرب من حيث هي خيار عقلاني يخضع لمعيار الأرباح والكلف إلا إدامة الاستعداد لها. ولا شيء يردع “شهوة الحاكم بالاستبداد والفساد” مثل الإحساس بالعواقب التي يلوح بها الخيار الثوري. فالثوار هم الواقعيون، بوجودهم يغيرون من نبض الواقع وإيقاعه، وهم يحققون الكثير لشعوبهم، حتى عندما تخونهم موازين القوى ويعلقون على أعواد المشانق. فالخيار الثوري يحقق جل أهدافه بمجرد انبثاقه.
فمن أراد تجنب الحروب عليه أن يبني الجيوش، ومن أراد تجنب الاستبداد والفساد عليه ان يبقي على خيار الثورة حياً وقابلاً للتنفيذ. فلا شيء يردع المستبد الفاسد وحواشيه عن شهوة تسلطهم على شعبنا إلا خوفهم من عواقب سلوكهم. فتخلي الشعوب عن جيوشها وعن خيارها الثوري، يتنافى مع منطق الطبيعة ومع منطق الحياة، ومع الأمر الإلهي للمؤمنين “وأعِدّوا لهُم ما استطعتُم من قوّة”.
وكما أن الوظيفة المركزية للجيوش في العالم المعاصر هي صيانة السلام، فإن الهدف من بناء المشروع الثوري هو تمكين الشعوب من صيانة حرية أبنائها وحقوقهم وكرامتهم بشكل مؤسسي وسلمي. فكما أن الشعب أو الدولة التي تتخلى عن جيشها تستدعي الغزاة الطامعين، فإن الشعب الذي يتخلى عن الخيار الثوري يحول نفسه إلى غنيمة مغرية لأي حاكم مستبد فاسد.
صحيح أن الاستعداد للثورة يغري بتنفيذها، وتوفر القوة يستدعي الرغبة باستعمالها، حسب تعبير الشاعر اللبناني أنسي الحاج من أن “القدرة تستدعي الرغبة” في سياق الحب، وهي مقولة صحيحة كذلك في سياق الحرب. ولكن الاستعداد الدائم للثورة، وتجنب حصولها في ذات الوقت مهمة تقام على ركنين في الدولة الحقيقية، الحاكم الحصيف والمؤسسات الفاعلة التي تتمتع باستقلال ضميرها المهني. فإذا غابت فاعليتهما معاً، تحققت الثورة بشكل تلقائي. أي أن ضمانة عدم حصول الثورة ليست غياب الخيار الثوري لدى الشعب، وليست قوة المستبد الفاسد، ولا بطشه، ولا جبروته (ولا تعاليه على شعبه ومخاطبته إياهم من أنتم)، فهذه مبررات للثورة ومصادر لشرعيتها. ما يبقي القدرة على الثورة إمكانية كامنة ومؤجلة ويكبح جماحها، هما حصافة الحاكم وفاعلية المؤسسات ذات الضمير المهني المستقل.
والديمقراطيات المعاصرة، ليست إلا منتج سلمي لفاعلية الخيار الثوري المؤجل والكامن، فهي قائمة على أساس وجود الخيار الثوري وتجنب اللجوء إليه في ذات الوقت. فالديمقراطية وتداول السلطة عبر صناديق الاقتراع يخضع لها الجميع لإدراكهم بأن من يتمرد عليها سوف يتم سحله بالشوارع. والشعوب التي تعجز عن خلع مستبديها لن تحصل على الديمقراطية، وتحرم من الحرية والرفاه والكرامة والكبرياء. ونظرية الواقعية السياسية تؤكد على أنه لا حق لعاجز. على الشعوب التي تسعى لحقوقها أن تثبت أنها قادرة على نيلها غصباً، لتضمن أن تحصل عليها بالوسائل السلمية والقانونية. ومن يعجز عن تحصيل حقوقه، او يجزع من كلفة تحصيلها، عليه أن يتقبل ذل استجداء المكارم.
وتجدر الإشارة إلى انه لا تسوية مع المستبد الفاسد الذي يقول بان شعبه متخلف لا يميز اليمين من اليسار، ولا بد من مواجهته بالخيار الثوري. فعندما يتلوث عقل المستبد الفاسد، ويعتقد بأنه ليس خادماً لشعبه، ويتصرف كأنه سيداً للشعب ومالكاً للأرض، ليس من دواء له إلا الخلع. وعندما يتلوث عقل المستبد الفاسد فيعتقد بأنه كينونة فوق الشعب، وأنه إرادة متعالية على إرادة شعبه، ليس له إلا أن يخلع. فمثل هؤلاء يصبح مرضهم عصياً على أي علاج.
بقيت الإشارة إلى أن الخيار الثوري يتألف من ركنين، الأول خطاب ثوري لمواجهة المستبد الفاسد والدعوة لعزلة والتخلص منه ومحاسبته واسترداد كل قرش سرقه، والثاني تطوير مشروع واضح لبناء الدولة الحقيقية بعد استردادها من المستبد الفاسد. فمن الضروري تطوير نموذج الدولة الحقيقية وقواعدها المؤسسية وصيانة الضمير المهني المستقل لمؤسساتها “لتحريرها من الأوامر من فوق” ومنع تكرار مثل هده المهزلة، وضمان التداول السلمي للسلطة (كل السلطة)، والاستعداد الدائم لخلع أي مستبد فاسد بغيض مخادع وكاذب، يتحدث عن الديمقراطية ويركز السلطة بين يديه.
أخيراً، إن التمسك بالخيار الثوري وبالقدرة على إنجازه بخلع المستبد الفاسد، هي الضمانة الوحيدة لتجنب الثورة وآلامها. والشعوب التي تجبن وتتردد في دفع كلف الخيار الثوري الآن، تسام خسفاً أشد أيلاماً ومرارة عبر الخضوع والتنازلات المستمرة، وتدفع كلف باهظة للخيار الثوري مستقبلاً. فلن يرتدع المستبد الفاسد إذا رأى العيون الدامعة للمحرومين والضعفاء، بل ما يردعه هو أن يرى السواعد التي تحيل شرارات الغضب في العيون إلى فاعلية قابلة للتحقق. فلا بد من أن يكون شعبنا قادراً على انفاذ مبدأ واضح، أن من يستبد بشعبه وينهب ثرواته خائن لا بد من أن يعاقب بالخلع.
2022-11-04