الثقافة والسلوك: مقارنة بين العراق والدنمارك!
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
تُعد الثقافة البنية التحتية للسلوك الإنساني، فهي الإطار الذي يمنح الأفعال معناها، والقيم التي تحدد طبيعة التفاعل بين الأفراد والجماعات. وإذا كان الفيلسوف الفرنسي إميل دوركايم يرى أن الثقافة “ضمير جمعي” يوجّه الأفراد، فإن السلوك هو تجسيد عملي لهذا الضمير. من هنا تصبح المقارنة بين مجتمعين مختلفين كالعراق والدنمارك ليست مجرد وصف للتمايزات، بل هي نافذة لفهم علاقة الثقافة بالواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.
1- الثقافة في العراق: ميراث الصراع والهويات المتعددة
الثقافة العراقية تاريخيًا غنية ومركّبة، فهي ثمرة حضارات متراكمة: سومرية، بابلية، عربية إسلامية، وعثمانية وحديثة. غير أنّ هذا الغنى لم يتحوّل إلى قاعدة مستقرة لتوليد سلوك اجتماعي متناغم.
• يغلب على السلوك الجمعي طابع العصبية والانتماء الفرعي (القبيلة، الطائفة، الحزب)، ما جعل الولاء العام للوطن هشًّا أمام الولاءات الضيقة.
• القيم الاجتماعية تميل إلى الازدواجية: بين ما يُقال علنًا وما يُمارس سرًّا، بين النص الديني والتطبيق العملي، وبين القيم التقليدية والتطلعات الحداثية.
• العلاقات الإنسانية مشدودة إلى العاطفة والرمزية أكثر من العقلانية، وهو ما يفسّر حضور المبالغة في الطقوس والشعائر، مقابل ضعف الالتزام بالقوانين المدنية.
2- الثقافة في الدنمارك: العقلانية والانسجام المدني
أما الدنمارك، فهي مثال لمجتمع صغير الحجم لكنه استطاع أن يطوّر ثقافة قائمة على الانسجام الاجتماعي والشفافية.
• الفرد هنا يتربى منذ الصغر على قيم المساواة والاحترام المتبادل، ما يجعل السلوك العام متسقًا مع القانون بوصفه تعبيرًا عن الإرادة المشتركة.
• المجتمع الدنماركي يتميز بـ الثقة المؤسسية، حيث يثق المواطن بالشرطة والقضاء والبرلمان، فيتصرّف على أساس أن النظام العادل سيحمي حقوقه.
• السلوك اليومي يعكس الوعي بالمسؤولية الفردية تجاه الآخر والطبيعة والمجتمع، وهو ما يظهر في الالتزام بالنظام العام، رعاية البيئة، وتقديس الوقت.
3- الفلسفة في المقارنة: من الوجود إلى الواجب
إذا أخذنا منظور الفلسفة الأخلاقية، فإن العراق يميل – كما يقول هيدغر – إلى “الوجود في القلق”؛ فالإنسان العراقي يعيش في حالة دائمة من التوتر بين حنينه إلى الماضي وخوفه من المستقبل، وهو ما ينعكس في سلوك متذبذب، يمزج الشجاعة بالمراوغة، والكرم بالمحاباة.
أما الدنماركي، فهو أقرب إلى ما وصفه كانط بــ “الفعل وفق الواجب”؛ أي أن السلوك ليس انفعالاً أو استجابة عاطفية، بل التزام عقلاني نابع من احترام القانون بوصفه صيغة كونية للأخلاق.
4- الدروس الممكنة
لا يعني ذلك أنّ الثقافة العراقية عاجزة أو متخلّفة، بل هي بحاجة إلى تحرير الطاقة الإيجابية الكامنة فيها عبر:
• ترسيخ قيم المواطنة على حساب العصبيات الضيقة.
• إعادة الاعتبار للعقلانية النقدية في التربية والتعليم.
• تحويل الدين من طقس شكلي إلى قيمة روحية وأخلاقية.
• تعزيز الثقة بالمؤسسات بدل الارتهان للزعيم أو الرمز.
خاتمة
الثقافة ليست قدَرًا محكومًا بالثبات، بل هي منظومة حيّة قابلة للتطوير. والعراق، بما يحمله من إرث حضاري وروحي، يمكنه أن يتعلم من التجربة الدنماركية في بناء سلوك مدني متوازن. الفارق ليس في الجينات ولا في الدين، بل في كيفية تحويل القيم إلى ممارسة يومية. وهنا تكمن فلسفة التغيير: أن يصبح السلوك انعكاسًا لثقافة إنسانية أصيلة، تجمع بين العقل والروح، بين الحرية والواجب.
2025-09-12