التوراة ليس كتاب موسى (ع)!
رنا علوان
يقول [ فريدريش هيغل ] لكي يكون المرء فيلسوفًا
لابد من أن يدرس ، سبينوزا أولاً
اهتم اسبينوزا بدراسة نص التوراة فأخضعه للنقد التاريخي مرتكزًا في ذلك على [ العقل الرياضي الهندسي ]
أما المنهج الذي اتبعه في [ نقد نص التوراة ] والقواعد المنهجية التي طبقها في سبيل معرفة ما إذا كانت نسبته إلى [ موسى عليه السلام ] هي صحيحة أم غير صحيحة
فلقد اعتمد اسبينوزا ، على المنهج التحليلي النقدي بشقيه الخارجي والداخلي ، وبعد فحصه النقدي لنص التوراة استنتج أنه من [ تأليف ابن عزرا ليشرح شريعة اللـه لمعاصريه ]
رافضًا بذلك رفضًا قاطعًا نسبته إلى النبي موسى عليه السلام
باروخ سبينوزا (Baruch Spinoza) هو فيلسوف هولندي من أهم فلاسفة القرن السابع عشر [ ولد في 24 نوفمبر 1632 ] في أمستردام ، وتوفي في 21 فبراير 1677 في لاهاي
“لن أسمح لأي إنسان أن يمنعني عن التفكير ، لأننا من خلال العقل فقط نستطيع أن نعرف الله ، وأن هذا البحث عن الحقيقة هو المصدر الوحيد للسعادة في هذه الحياة”
باروخ من أصل يهودي ينتمي إلى طائفة المارنيين ، فقد كان والداه يهوديين هاجرا من البرتغال
فلقد أجبر كثير من يهود شبه جزيرة أيبريا (إسبانيا والبرتغال) إلى الهجرة لكثير من دول غرب أوروبا هروبًا من اضطهاد السلطات هناك
في البداية اضطروا إلى اعتناق المسيحية ، أما بعد أن وجدوا مناخًا متسامحًا في هولندا فلقد عادوا مرة أخرى إلى اليهودية
كان والده تاجرًا ناجحًا في أمستردام ، ولكنه متزمت للدين اليهودي وبالإضافة إلى تجارته تولى كثيرًا من المناصب الدينية في المجتمع اليهودي هناك ، بل وعددًا من المهام التدريسية المنصبة على تعاليم التلمود
بداية دراسته إنكب على دراسة الكتب التاريخية والدينية لبني قومه واظهر نباغة عالية في فهم مواضيعها ، مما جعل كبار الدين اليهود يعلقون عليه آمالاً كبيرة ، حيث توقعوا ان يصبح علامة كبيرة في تاريخ الشعب اليهودي المضطهد والمهاجر بين دول العالم في حينها
لكن بعد ان هضم الكتب الدينية اليهودية وتاريخها ، واطلع على افكار الفلاسفة اليهود الكبار من امثال إبن ميمون ، وليفي بن جيرسون ، وإبن عزرا ، تأثر بفكرة الحلولية التي كانت عند موسى القرطبي الذي إدعى وحدة الله والكون المادي
فرشقه مجمع الكنيس اليهودي “بالحرم” بعد ان فشلت كل المحاولات معه في ان يعود عن ضلاله
وفي 24 يوليو 1656 ، اعلنت السلطات الدينية والمدنية في الجالية اليهودية من منبر الكنيس البرتغالي “الحرم التام” لباروخ سبينوزا ، بما يقترن بذلك من اللعنات والمحظورات ، وهي: ألا يتحدث اليه احد ولا يكتب اليه ، ولا يؤدى له اي خدمة ، ولا تقرأ كتبه ، ولا يقترب منه على مسافة اربعة اذرع
طرده والده من البيت ، وصلَت الجموع المؤمنة في الكنيس وطلبوا من الله إنزال اللعنات عليه ، ومقته المسيحيون من البروتستانت والكاثوليك على الرغم من ان معظم فلسفته كانت حول الله
اتهم بالإلحاد ، من ثم قيل فيه انه هو [ فيلسوف التنوير ] قبل ان يظهر التنوير كحركة فكرية شاملة او كتيار ضخم في النصف الثاني من القرن الثامن عشر
فقد عاش “سبينوزا” وكتب في النصف الثاني من القرن السابع عشر ، اي قبل مائة عام من ظهور فولتير وديدرو وروسو وكانط وسواهم
حاربه رجال اللاهوت المسيحي ، حتى انه بعد وفاته كتبوا على قبره
[هنا يرقد سبينوزا – إبصقوا على قبره ]
وهذا لأنهم إتهموه بالكفر ، لانه اهتم بتفعيل العقل كأساس لفهم العالم وخاصة ما وراء الطبيعة ، وان اخضاع الأديان للنقد العقلي أمر مهم لفهمها
كان من أوائل مؤسسي الدموقراطيا الحديثة والمدافعين عن الحريات الفردية وعن قيم التنوع والاختلاف واستقلال الدولة في تدبير شؤون المدينة الإنسانية ، أما أثره الأوضح فتجلى في أعمال روسو الذي يدين له بكثير من آرائه
تضم فلسفة باروخ سبينوزا جميع مجالات الخطاب الفلسفي تقريبًا ، بما في ذلك الميتافيزيقيا والأبستمولوجيا والفلسفة السياسية والأخلاقيات وفلسفة العقل وفلسفة العلم. يُعرف سبينوزا بأنه أحد المفكرين المهمين والمبدعين في القرن السابع عشر
يقول سبينوزا الحرية هي وعي الضرورة أي أن تكون حرًا معناه ان تدرك أنك لست حرًا بل خاضع للضرورة
كتب باللاتينية ، شأنه شأن معاصريه الفلاسفة والأدباء ، فألف ضمة من الكتب الفلسفية أشهرها كتاب “الأخلاق وبحث في اللاهوت والسياسة”
غير أن الكتاب الوحيد الذي شهره بعد أن نشره إبان حياته كان “مبادئ فلسفة دكارت”
يأثُر عنه أصدقاؤه أن كلماته الأخيرة قبل وفاته جاءت في صيغة الاستسلام الإشكالي إلى المشيئة الإلهية ينسب إليها كل أقواله الابتداعية ، “خدمتُ الله مستنيراً بالأنوار التي قذفها في صدري ، كان يمكنني أن أخدمه خدمة مختلفة لو كان قد قذف في صدري أنواراً أخرى”
ذاع صيته الفلسفي في أروبا فقصده ثُلة من علماء الزمن ومفكريه ، وفي مقدمهم الفيلسوف الألماني لايبنيتس (1646-1716) الذي حيّا نبوغه الاستثنائي
من اقواله الشهيرة
[ما افهمه من الله هو انه كينونة لانهائية ، اي انه جوهر متماسك في صفاته اللانهائية ، بحيث ان كلا منها يعبر عن جوهر ابدي ولا نهائي]
[ الخير الأعظم للذهن هو معرفة الله، والفضيلة الأعظم للذهن هي التعرف على الله ]
[ ينخدع الناس عندما يفكرون بأنهم احرار ، وهذا الرأي مؤداه هو انهم واعون بما يفعلون ، ويتجاهلون الأسباب التي تلزمهم على ذلك ]
توفي سبينوزا عن عمر يناهز 45 عامًا ، إلا انه احدث انقلابًا في مفهوم الفلسفة حيث اخضعها للعقل والعمل والتجريب ، ونقلها من البحث في اللاهوت الى التجريب ، حتى اصبحت الفلسفة أم العلوم المادية التي تخضع للتفكير العلمي والتجريبي
2023-05-27