التنمية والديمقراطية في تونس في العشريتين الأخيرتين!
اعلية العلاني*
المطلوب من مراكز الدراسات الجدية، القيامُ بأبحاث علمية للعشريتين الأخيرتين بتونس (2000-2010) و (2010-2020) لمعرفة نقاط القوة ونقاط الضعف لكليهما، وهو ما يسمح باستخلاص العبرة وتحديد ملامح العشرية الثالثة (2020-2030) التي يجب أن تكون عشرية إنقاذ حقيقي للاقتصاد تعْقُبُها مرحلة بداية للرفاه الاقتصادي والاجتماعي والولوج إلى مجتمع المعرفة والاقتصاد الرقمي، وتكون أيضا عشرية وضع الأسس والمبادئ التي تحمي الديمقراطية من كل انتكاسة، وتكون ديمقراطيةٌ لا تقود إلى تفكك الدولة وصراع الهويات، ديمقراطية توفر الفرص لارتقاء كل المواطنين لأعلى وظائف الدولة، ديمقراطية غير منفصلة عن بُعْدها الاقتصادي والاجتماعي. وللوصول إلى ذلك لا بد من تقييم سريع للعشريتين الأخيرتين.
1) عشرية 2000-2010: تنمية بلا ديمقراطية
يمكن إطلاق صفة “تنمية بلا ديمقراطية” على كامل مرحلة دولة الاستقلال وما بعدها (إلى غاية 2011) بنسب متفاوتة. فالرئيس الأسبق المرحوم الحبيب بورقيبة يرى أن الديمقراطية الاجتماعية تسبق الديمقراطية السياسية. ونفس الشيء تقريبا في عهد الرئيس الأسبق المرحوم زين العابدين بن علي رغم وجود تعددية سياسية في عهده اعتبرها عديد الباحثين شكلية. وبغضّ النظر عما يمكن أن يُقال عن الحصيلة الاقتصادية والمنتفعين الرئيسيين منها فإنها استطاعت أن تحقق الحد الأدنى من الخدمات ولم تُوسّع كثيرا من دائرة الفقر عكس ما حصل بعد 2011. ونشير أيضا أن عشرية 2000-2010 لم تكن وردية في مجال المشاركة السياسية وحقوق الإنسان، كما أنها كانت عشرية تفتت الطبقة الوسطى التي مثّلت قوة هذا النظام لعدة عقود، وبذلك سقطت مقولة “التنمية قبل الديمقراطية.”
2) عشرية 2010-2020: “ديمقراطية” بلا تنمية
كانت انتفاضة ديسمبر 2010- جانفي/ يناير 2011 فرصة للتونسيين للوقوف على الأخطاء وإصلاحها. وكانت في معظمها انتفاضة سلمية على الطريقة التونسية وشعارها الرئيسي يحوم حول مطلبي التشغيل وحرية التعبير ولم تكن لها قيادة معلومة. لكن منذ الأشهر الأولى سيطر الإسلاميون على الشارع بمساعدة فاعلين إقليميين ودوليين ومحليين كانوا يأملون بالخصوص في أخْلقة التنمية، بالقضاء على الفساد، وأخْلقة الديمقراطية، بتنظيم انتخابات شفافة، لكن ذلك لم يتحقق. كما انبرت أحزاب ليبرالية ويسارية وقومية في العمل على بلورة أرضية جديدة للحكم تُجسّم الشعارات التي نادى بها المتظاهرون أي تحقيق التنمية والديمقراطية بشكل متلازم وجدلي. وتَشَكلتْ تسْعُ حكومات لم تنجح في تحقيق هذه المعادلة. فقد غابت التنمية وازداد عدد العاطلين عن العمل (18 بالمائة سنة 2020)، واستُعْمل المال الفاسد في شراء أصوات الناخبين، وظهرت شرائح جديدة من أغنياء ما بعد الانتفاضة. وأصبح الفساد الذي كان يُنعت به النظام السابق مضاعفا مرات ومرات بعد 2011 نتيجة الإفلات من العقوبة. وتَضَخّمَ عدد الأحزاب بشكل مهول (227 حزب)، لكن هذا لا ينفي حصول بعض المكاسب، من أبرزها صدور دستور جديد في 2014 يؤكد على مدنيّة الدولة، والحكم المحلي، (مع عدم الإغفال بأن هذا الدستور تضمّن العديد من الفخاخ خاصة فيما يتعلق بطبيعة النظام السياسي والانتخابي) وحرية التعبير وتطوير مجلة الأحوال الشخصية وإحداث العديد من الهيئات الدستورية. ورغم هذه الترسانة من الإصلاحات الدستورية لم ينعكس ذلك على حياة المواطن الذي لم يقبل بسهولة ضعف الموارد المخصصة للتنمية واهتراء البنية التحتية وارتفاع المديونية والتضخم، ودمقرطة الفساد. ولسان حال الكثير منهم يردد ماذا نفعل بـ “ديمقراطية” لا تحقق التنمية. وارتفعت أصوات الكثيرين الذين يطالبون بإصلاح منظومة الحكم برُمّتها، وشككوا في قدرة الحكومات المتحزبة على إخراج البلاد من الأزمة. فهل تكون الحكومة المستقلة التي يشكلها هشام المشيشي طوق النجاة لإنقاذ الوضع الاقتصادي المتردي؟ وهل سينجح في كسب معادلة التلازم بين التنمية والديمقراطية التي لم تتحقق لحد الآن بالشكل المطلوب؟
البطاقة القادمة: هل تؤسس عشرية 2020-2030 نمطا جديدا لحكومات مستقلة في عصر الثورة التكنولوجية والمعلوماتية؟ وهل سيؤثر ذلك في رؤية الرأي العام للشكل الحزبي المطلوب مستقبلا؟