التطبيع بلا ثمن…!
سعادة مصطفى أرشيد*
في عام 1977 أعلن الرئيس المصري أنور السادات في خطاب له أمام برلمان بلاده أنه يرغب في إنهاء حالة الحرب مع دولة الاحتلال وأنه قادر على اختراق الحاجز النفسي والمرتبط في حالة العداء، لأنه يملك من الشجاعة والثقة بالنفس ما يدعوه إلى اقتحام البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) ومخاطبة أعضائه في عقر دارهم، وما هي إلا ايام وإذا بالسادات يلقي خطابه من القدس وسط حالة من الدهشة والذهول والغضب العارم على وريث جمال عبد الناصر ونائبه ورفيق دربه.
خاضت مصر بعدها مفاوضات انتهت عام 1978 بتوقيع اتفاقية السلام المعروفة باسم معاهدة كامب ديفيد وكان هذا التطبيع هو الأول من داخل النظام العربي، استطاعت مصر في النهاية استرداد سيناء ولو بشروط تحدّ من سيادتها وأن تفتح طريق الملاحة في قناة السويس. وهكذا اصبحت قائدة قطار النظام العربي ملحقة بالمنظومة الغربية الأميركيّة.
عقب خروج الفلسطينيين من بيروت عام 1982، وفي 17 أيار 1983 وقّع لبنان اتفاقية سلام مع دولة الاحتلال سرعان ما اقتلعتها المقاومة من جذورها، واحتاج الأمر إلى 10 سنوات لتوقيع قيادة منظمة التحرير على اتفاقيّة إعلان مبادئ وهي المعروفة باسم معاهدة أوسلو عام 1983، وفيها من العيوب والمثالب أكثر من أن تُعدّ أو تُحصى ولكن مع كلّ قناطير العيوب عاد بموجب الاتفاق أعداد من الفلسطينيين وأخذت منظمة التحرير وملحقاتها قرابة 17% من الضفة الغربية لتكون تحت سيادتها المنقوصة لثلاثة عقود وهي قاب قوسين أو أدنى من النهاية مع إعلان الخطوط الرئيسة لمشاريع وزير المالية (الإسرائيلي) بتسليئيل سموترتش، وكان التوقيع الفلسطيني قد منح الرخصة للأردن لتوقيع اتفاقية سلام مع دولة الاحتلال وهي المعروفة باسم اتفاقية وادي عربة عام 1994 الذي حصل بها الأردن على ضمان باعتباره وطناً نهائياً للأردنيّين وأنه لن يكون دولة تصبح وطناً بديلاً عن فلسطين، الأمر الذي بدوره قد أصبح يترنّح اليوم بعد تصريحات نتنياهو حول إقامة «إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات».
طبّع في بضع سنوات ماضية كلّ من الإمارات والبحرين والمغرب مع دولة الاحتلال وهي بالأصل بعيدة بالجغرافيا والفهم القوميّ. افترضت الإمارات والبحرين أنهما قد حصلتا في تطبيعهما على معادل استراتيجي للقوة الإيرانية قادر على حمايتهما وإقامة شيء من توازن القوى، كما اعتقدت أنّ في ذلك رضا السيد الأميركي الضامن لبقائهما على عرشيهما، أما المغرب فقط حصلت على مكاسب في الصحراء الغربيّة كثمن مقابل هذا التطبيع. دول عربية أخرى تطبّع بشكل كامل ولكن دون إعلان رسميّ حتى الآن مثل السعودية وقطر وغيرها وكل من هذه الدول تفكّر بتحقيق مغانم من هذا التطبيع، إن على صعيد حمايتها بالاتكاء على دولة إقليميّة قوية هي دولة الاحتلال وإن بتحقيق مغانم للدولة أو لحاكم الدولة إلا في حالة واحدة وهي الحالة السوريّة الشاميّة.
ما الذي تريده دمشق أحمد الشرع مقابل التطبيع مع دولة الاحتلال تفيد الأنباء المتواترة التي لم يتمّ نقلها من أصحاب العلاقة أن الشرط الأول لدمشق هو بالاعتراف الرسميّ (الإسرائيلي) بالحكم الجديد فيها وفق تقدير يرى أن اعتراف تل ابيب بحكومة دمشق ورئيسها الجديد هو باب الدخول للنظام الدوليّ وتريد دمشق انسحاباً إسرائيلياً من الأراضي التي احتلتها دولة الاحتلال مؤخراً ووقف الغارات الجوية مع ترتيبات أمنية في الجنوب كما تريد شيئاً من الدعم الأميركي للحكومة ولا تتطرّق للجولان بكثير أو قليل، برغم أن الرئيس العتيد في دمشق كان يحمل اسم «ابو محمد الجولاني»، ويمكن القول إنّ أحمد الشرع لا يرى إلا ما تراه الرياض وأنقرة فإحداهما من أوصلته إلى دمشق فيما الأخرى من فتحت له الأبواب الأميركية.
وكما كان التطبيع مع مصر له أهميّة استثنائيّة في الماضي، حيث إن مصر لعبت دور القائد في النظام العربي وهو الموقع الذي احتلته دمشق التي صمدت أمام محاولات الاختراق خاصة تلك التي حصلت بعد انهيار النظام العربي إثر احتلال العراق للكويت وما أعقبه في مؤتمر مدريد ولم تثنها عن ذلك الحرب الكونية عليها من البقاء على الموقف ذاته إلا أن أولويات السياسة الخارجية لواشنطن طالما رأت ضرورة تحقيق الاختراق الاستراتيجي بالتطبيع السوري الإسرائيلي.
لكن بنيامين نتنياهو لا يرى ما تراه واشنطن، فكل ذلك قد أصبح أمراً ثانوياً خاصة بعد إعلانه عن مشروعه لإقامة «إسرائيل» الكبرى التي تشمل كامل الأرض السوريّة القومية.
*سياسي فلسطيني مقيم في الكفير ـ
جنين ـ فلسطين المحتلة
2025-08-21
