ما نشهده اليوم من تحول في السياسة السعودية ، وما آلت إليه بعد أن كانت تنوي إعلان التطبيع لإرضاء الإخطبوط الإميركي وطفله المدلل ، ومن ثم الحؤول عن هذا القرار ، أثار استغراب الكثير من قُراء السياسة ، ولكن ما هي إلا برهة حتى تبين سر هذا التحوّل ، الذي تبلور في الصلح الايراني السعودي بمباركة ومساعي صينية
لقد وجد الجانب السعودي ملاذًا له ، أكثر أمانًا من الغطاء الأميركي ، فقرر الخروج من تحت عبائته ، وهذا ما أصبح جليًا للجميع
فلقد توجه مدير الإستخبارات الإمريكية [ وليام بيرنز ] الى المملكة العربية السعودية خلال الأيام القليلة الماضية ، في زيارة سريعة اصر فيها على اللقاء الشخصي ، بولي العهد [ محمد بن سلمان ]
إلا أن اللقاء لم يحدُث إلا في اليوم الثاني من زيارته للسعودية ، وهذا التصرف يُعتبر كسابقة ، حيث أنه لم يعتد أحد على هكذا تصرف سعودي ، فكما كانت تجري العادة ، عندما يصل أي مسؤول امريكي ، السعودية ، ومهما كانت درجته وأهميته يتفرغ المسؤولين السعوديين للقاء الامريكي القادم وهو الذي يحدد الموعد ، وكذلك موضوع اللقاء
المُلفت اليوم والواضح أن المعادلة تغيّرت ، وأصبح على الزائر الامريكي ، مهما كانت درجته ومقامه أن ينتظر ليتم تحديد موعدًا له ، ومكان اللقاء وهذا لااسلوب لم يعتاد الامريكان عليه في السابق
لذلك إنتظر [ وليام بيرنز ] يومين حتى حصل اللقاء مع [محمد بن سلمان] ، ناهيك عن أنه لم يكن ثنائيًا ومغلقًا كما إعتاد ، وكما كان يرغب أيضًا بيرنز ، حيث فوجئ وليام بيرنز بوجود الفريق خالد علي الحميدان رئيس الاستخبارات السعودي وثلاث اخرين من كبار ضباظ الاستخبارات السعودية الى جانب ولي العهد بانتظار الضيف الزائر
هذا التصرف السعودي الجديد ، قد اوصل رساله لوليام بيرنز ، قبل ان تبدأ المحادثات ، كمؤشر واضح على إمكانية الرفض بسهولة ، فلم تعد السعودية تلهث وراء إرضاء الأخطبوط الأميركي ، وقد بدت هذه الرغبة بالتمرد منذ تولي بايدن الرئاسة وليست وليدة الأحداث الأخيرة
ظن وليام بيرنز أنه سيوهم السعودي بحسن نية الزيارة وان الهدف منها إبقاء الود بين الطرفين وان الأخطبوط متمسك بالسعودية ويهدف لتمتين العلاقة أكثر فأكثر ، وان المحادثات المباشرة قادرة على معالجة وتسوية كل الخلافات الثانوية بين الطرفين
وبغية الوصول لهذا الود ، تقدم وليام بيرنز بعدة مطالب من السعودية ، وحثّها على تنفيذها مُقدمًا في سبيل معالجة كل التباين في وجهات النظر
أولًا ، تراجع السعوديه عن كل الطلبيات العسكرية التي تقدمت فيها لروسيا من أجل شراء السلاح الروسي وتجميد كل هذه الاتفاقيات فورًا
ثانيًا ، رفض امريكي واضح لأستئناف العلاقات مع سوريا مالم تلتزم سوريا وتنفذ كل القرارات الدولية الخاصة بألأزمة السورية
ثالثًا ، تهميش الدور الصيني في ملف الاتفاق الايراني السعودي مع دعم امريكي لموقف السعودية في اتفاقها مع ايران
رابعًا ، تهديد مُبطن للسعودية من انضمامها لمجموعة دول البريكس ومنظمة دول شنغهاي
خامسًا ، انهاء الحرب في اليمن والوصول لتسوية للأزمة اليمنية تتم من خلال جهود المبعوث الامريكي للازمة اليمنية ومبعوث الامين العام للامم المتحده ووفق اليات التسوية التي حددتها القرارات الدوليه
سادسًا ، طالب بيرنز السعوديه العودة الى مكانتها بتزعم تيار الاعتدال العربي والاسلامي في مواجهة قوى التطرف والارهاب مع استعداد امريكي بدعم جهود السعودية في معالجة كل الأزمات والملفات في الاقليم والمنطقه
سابعًا ، لفت نظر للسعوديين من التدخل المباشر في الانتخابات التركية وطالبهم في الحياد في هذه الانتخابات هذا الحياد الذي يعني حسب الامريكان ان لاتقدم السعوديه اي مساعدات لتركيا او توقع معها اتفاقيات اقتصاديه في هذه المرحله
ثامنًا ، تقنيين العلاقات الاقتصادية السعودية الصينية للحد الادنى كما حذرهم بيرنز من دخول الصين على الاستثمار في شركة أرامكوا
اخيرًا ، وما اخذ وقتًا طويلاً في الحوار والجدل هو العودة للتنسيق المباشر والمسبق ما بين السعودية والولايات المتحدة بالنسبة لسياسة وقرارت دول الاوبيك +
هذه المطالب (التحذيرية) المُبطّنة ، التي تقدم فيها وليام بيرنز لمحمد بن سلمان ، في حال لم تلقَ تجاوب من الطرف السعودي ، فسوف يضع الادارة الامريكية في موقف صعب وضعيف أمام الكونغرس ولجانه المختلفة حيث نجحت الاداره الامريكية بالتسويف والقفز عن بعض قرارات لجان الكونغرس التي طالبت بمحاسبة السعودية في بعض الملفات
وحذر وليام بيرنز في ختام لقائه من تجميد بعض الاموال السعودية في الولايات المتحدة ، وبوقف تزويد السعودية بصفقات اسلحة حديثة وبقطع غيار للاسلحة الامريكية الموجودة في السعودية
أما التهديد الاهم الذي قدمه بيرنز [بأن ادارة الرئيس بايدن قد تقف عاجزة امام الضغوظ الداخليه سواء من الرأي العام الامريكي او الكونغرس بلجانه ] لاسئناف التحقيق الجدي ومحاسبة كافة المتورطين في تفجيرات 11سبتمبر
وما حدث بعد هذه الزيارة نجد أن شركة ارامكو أرسلت في 11/4/2023 اشعارًا لكل الدول التي تشتري النفط السعودي ، وهذا الاشعار يتضمن تعديل في استمارة بيع النفط السعودي ويشمل الاتي
أولاً ، تدفع الدول المشتريه للبترول السعودي نصف الثمن مقدمًا للصفقه المبرمة بالعقد من لحظة ابرام العقد ويدفع الثمن المتبقي خلال اسبوع من وصول البترول للدولة المشترية حيث كانت الاستمارة السابقة تشمل على دفع ٢٠٪ فقط عند ابرام العقد والباقي يدفع على دفعات خلال ثلاثة شهور من وصول النفط للدولة المشترية
ثانيًا ، الاستمارة الجديدة اشتملت على ارقام حسابات جديدة لشركة ارامكوا ليتم الدفع من خلال هذه الحسابات والجديد في هذه الحسابات انها كلها حسابات لبنوك سعودية ولا يوجد اي رقم حساب لاي بنك اجنبي اي ان كل المبيعات السعودية ستدخل البنوك السعودية ولن تدخل بورصة نيويورك التي يتم الدفع من خللالها ومن خلال البنوك الامريكية
ثالثًا والأهم في الاستمارة الجديدة [ سلة العملات للتسديد مفتوحة ولا تقتصر على الدولار]
لقد اختارت السعودية لحظة جيدة لمغادرة المعسكر الأمريكي ، [فإنه لطالما استمرت الحرب مع روسيا ولم تبدأ الحرب مع الصين] ، لا يمكن لواشنطن الحد من تدفق النفط من الخليج ، لأن هذا سيدمر أوروبا[ لا تستطيع أمريكا نفسها تغطية احتياجات أوروبا من النفط ، بل وأكثر من ذلك في العام المقبل ، بالنظر إلى نضوب الاحتياطيات الاستراتيجية]
لذلك ، ستسعى الولايات المتحدة إلى إنهاء الحرب في أوكرانيا في أسرع وقت ممكن ، إذا فشل الهجوم الأوكراني هذا العام ، فعندئذ في العام المقبل ، أو حتى نهاية هذا العام ، سيسعى بايدن إلى إبرام معاهدة سلام مع روسيا على حساب أوكرانيا
وفي حال أصبح ترامب رئيسًا ، [ فإن أمريكا ستتخلى عن أوكرانيا بنفس الطريقة التي تخلت بها عن أفغانستان ]
لذلك ، أصبحت واشنطن الآن محدودة للغاية في كيفية الرد على الانتفاضة السعودية ، لكن عندما يحين وقت الحرب مع الصين ، ستصبح المملكة العربية السعودية هدفًا ذا أولوية لأمريكا
نجد كيف تعاملت السعودية اليوم مع المطالب بل مع(التهديدات) الأميركية ، فلم تصدر موقف رسمي يتحدث عن هذه الزيارة ونتائجها
وبعد مغادرة وليام بيرنز ، كانت السعودية تجري مشاورات لترتيب عقد لقاء بين وزيري الخارجي السعودي والايراني ومكان الاجتماع ، حيث اصرت السعودية على عقده في بكين ، بعد ان كانت المشاورات جارية للمفاضلة بين العراق وسلطنة عمان واصرار السعودية على عقده في بكين هو جواب واضح للمطلب الامريكي في هذا الشأن
فضلاً عن استقبالها لفيصل المقداد وزير الخارجية السوري أيضًا ، بعد زيارة وليام بيرنز للسعودية وطلبه بعدم أستئناف العلاقات مع سوريا
هذا وقد اعلنت السعودية رسميًا بان اللجنة الاقتصادية السعودية الصينية المشتركة ستبدأ اجتماعتها في شهر ايار هذه اللجنة التي سترتب لزيارة لولي العهد السعودي على رأس وفد سعودي وزاري كبير ، للتوقيع على اتفاقيات استثمارية سعودية صينية في مشاريع إستراتيجية عملاقة
ناهيك عن تصريحات وزير النفط السعودي الامير عبدالعزيز بن سلمان بن عبدالعزيز شقيق ولي العهد خيث قال ان سياسة المملكة النفطية تتم وفق مصالح المملكة فقط وليس وفق مصالح الاخرين فالتنسيق مع دول اوبيك تتم من هذه المعادلة ولا معادلة غيرها وان سياسة الزام السعودية ودول اوبيك بقرارات وصيغ جاهزة قد ولت لغير رجعة