الايديولوجيا : فكر تحول الى رغبة!
أ.د عامر حسن فياض
يدين مصطلح الايديولوجيا بفضل نشأته الى الفيلسوف الفرنسي (انطوان دو تراسي) الذي صاغه عام 1795م واستخدمه للدلالة على (علم دراسة الافكار التي تطور العقل الشعبي) ، وانتشر المصطلح بعد ذلك وتطور في اتجاهات متضادة كثيرة بفضل إسهامات خطباء الثورة الفرنسية وغيرهم، وما عانته الايديولوجيا من العداوة بعد ان قال عنها (نابليون بونابرت 1769- 1821م) إنها : حلم عابث وأن الايديولوجي صياد احلام ووصفها (كارل ماركس 1818- 1883م) انها : وعي كاذب ووعي مقلوب وعرفها لينين (1870- 1924م) بانها الفكر الخاص بطبقة ، ورأى علم الاجتماع الروسي ثم الفرنسي جورج غورفتش (1894- 1965م) انها مسوغ مذهبي او غير مذهبي لمواقف متخذه من قبل طبقة معينة. وتمثل الايديولوجيا بوصفها (علم الافكار)، نسقاً فكرياً يتعامل مع ظواهر معينة يخضعها للدراسة، ويعكس في تعامله معها رغبات ومصالح واضعيه، وتنطوي الايديولوجيا عادة على قدر ملحوظ من المبالغة في تقويم وإبراز تفسيرات وتفضيلات/ تحبيذات تعبر عن إرادة محددة، وتتمتع باهمية استثنائية على الصعيد العملي لذلك يميل بعض الباحثين الى وصف الايديولوجيا بأنها فكر تكون الممارسة العملية هي غايته الاساسية لانه فكر يسعى الى خلق وتحريك شعور ورغبات عند جماعة ما لتأييد هذه الممارسة والعمل من أجلها.
وتعود الصلة بين الفكر والايديولوجيا الى ان الاخيرة هي فكر ايضا لكنها (فكر تحول الى رغبة) اي ان الايديولوجيا فكر تم توظيفه لاغراض عملية وبطريقة تقترن فيها النزعتان التفضيلية والغائية وبذلك فان الايديولوجيا وان لم تكن طبيعة شخصية ذاتية فهي تعكس تمثلا جماعيا متحيزا وتفضيليا بقدر ماهو ايضا غائي هادف ، فالنازية كأيديولوجيا تفضل العرق، وتستهدف تحقيق السيادة للعرق الآري على غيره من الأعراق، والماركسية كأيديولوجيا تفضل الطبقات الاجتماعية وتستهدف تحقيق السيادة للطبقة العاملة على غيرها من الطبقات . وإذا كانت الايديولوجيا لاتعتمد دائما وفي الاحوال كلها على البحث والدراسة والتفسير، فإنها ايضا لا تفتقر الى ذلك دائما وفي الاحوال كلها فقد تكون هكذا مرة وهكذا مرة اخرى، وبين بين في حالات اخرى ، لكنها في الغالب تستهدف خلق شعور وحماس جماعيين، يحركهما السعي لتحقيق اهداف تلك الايديولوجيا، والاستعداد لتقديم التضحيات اللازمة لتحقيق تلك الاهداف. ولعل قوة الايديولوجيا، تكمن في الشعور والحماس الجمعيين الذين تسعى لخلقهما وتحريكهما في ميدان الممارسة، لتكون بذلك المصطلح الاقرب في دلالته الى مصطلح المذهب ، بحكم مايتميز به كلاهما من طابع عملي، واستناد الى احكام قيمية معيارية، واستهداف ممارسة انشطة عملية تطبيقية، ترمي الى المحافظة على الواقع او تغييره واعادة تشكيله وفقاً للاحكام القيمية المعيارية التي انطلقت منها. بيد ان الايديولوجيا ، وان كانت تشترك مع الفكر في طابعهما التأملي العقلي ، لكنها تختلف وتتميز عن الفكر في انها تأمل عقلي مكرس بشكل اول واساس للاعتبارات العملية التعبوية.
وعلى الرغم من شرعية، بل وضرورة المقارنة والتمييز بين الفكر والمفاهيم المقاربة مثل النظرية والمذهب والفلسفة فان الحدود الفاصلة بينه وبين هذه المفاهيم ليست حادة ولا حتى دقيقة ولا واضحة تماماً ، وهو مايجعل منها مفاهيم متقاربة وحتى متناظرة، والعله الاولى والاساس في ذلك ، انها جمعياً تدخل في اطار الفكر، وتقع ضمن حدوده، وتمثل شكلاً من اشكاله، بحكم اشتراكها كلها معه في كونها تأملات عقلية مجردة، وان كان بعضها مميزاً عن غيره منها بفعل مستوى تنظيمه او فرضياته او مدى توجهة الى العقل الجمعي وصلته بالممارسة والغائية العملية. وإذ يعني ذلك ان النظرية والمذهب والفلسفة والايديولوجيا ، اشكال وانواع مختلفة من الفكر ، وانها كلها تدخل ضمن اهتماماته فسيكون بالإمكان القول بإتفاق هذه المفاهيم كلها في النهاية على الدلالة على نشاط تأملي عقلي مجرد، واشتراكها كلها في الاهتمام بالظاهرة المجتمعية الانسانية. وبفعل هذين العنصرين (عنصر التأمل العقلي المجرد وعنصر الاهتمام بالظاهرة المجتمعية الانسانية)، تقترب هذه المفاهيم من مفهوم الفكر مما يتيح للاخير فرصة احتضانها جميعاً لتكون اجزاء منه.
2023-05-19
