الانتقال من الاحتجاج إلى الثورة 1-2!
جمال الطاهات
إن إصرار المستبد الفاسد على هزيمة الحركة الاحتجاجية دون تلبية أي من مطالبها، هو الذي فرض -وما زال يفرض- ضرورة التحول نحو الخيار الثوري. فما دامت المبررات الموضوعية للحركة الاحتجاجية موجودة، وما دام المستبد الفاسد قد جعل الاحتجاج غير مجدٍ (كلفة عالية وعائدات منخفضة)، فإن التحول نحو الخيار الثوري ضرورة لا بد منها. فالقوانين الأخيرة التي تجرم الاحتجاج، وإصرار المستبد الفاسد على اعتقاده بأن الكذب والخداع مهارة سياسية فيلعن قبول المطالب الشعبية ويعمل على تقويضها والبطش بمن طالب بها، أفرغ الحركة الاحتجاجية من مضمونها وزاد كلفتها، بحيث أصبح عدم الانتقال إلى المرحلة التالية تقصير واستسلام وقبول بالهزيمة، سوف يؤدي لإذلال الجميع، ويترك الأردن يسقط في مستنقع العنف الأعمى.
فالخيار الثوري السلمي العقلاني ضرورة لإنقاذ الأردن من براثن العنف والفوضى. فأسرع طريق نحو تفكك الدولة هي غياب فرص التحول السلمي والآمن، كما أقر المستبد الفاسد بذلك في خطابه الأخير في الأمم المتحدة، واعترف بان سياسات التسويف والمماطلة والكذب والخداع هي مراكب للعنف والفوضى. وهو بهذا الإقرار يؤكد على أنه يأخذ الأردن رهينة، معتقداً ان بإمكانه أن يفرض على الأردنيين الاستسلام لتجنب الأسوأ، متجاهلاً -أو جاهلاً- بإمكانية تحقيق كامل الأهداف بمشروع ثوري سلمي لن يكلف الأردنيين شيئاً مما يهددهم به.
تركيز السلطات الدستورية بيد الملك، وتزوير الانتخابات البرلمانية وغيرها، قدم أدلة حاسمة على عدم جدوى الحركات الاحتجاجية والمطلبية كوسيلة لتحسين وتطوير معادلات ووسائل الحكم، ولكنه حولها إلى آلية تعبئة شعبية لكشف المستبد الفاسد على حقيقته، وتمهد للتعبئة الشعبية بالمشروع الثوري، وذلك للإجابة على السؤال الشعبي المتصاعد ماذا بعد انكشاف المستبد الفاسد وعائلته؟ حيث يُطرح تساؤل حاد عن الخيارات العملية حول كيفية انتزاع الحقوق، كبديل عملي وواقعي للمطالبة بها دون جدوى.
المعضلة التي تواجه أي خيار ثوري، وعي أهمية ومركزية “تطوير البديل”، واشتقاق برنامج عملي لبنائه. فالثورات لا تتحقق بالدعوة إلى فراغ سياسي في المجتمعات، بل في الانتقال من حال معلوم ومرفوض، إلى حالة مبتغاة ملامحها واضحة. كما أن الفوضى ليست خياراً بديلاً مقنعاً للوضع الراهن مهما بلغ به السوء. مع التأكيد على أن البديل ليس شخص أو حزب، بل منظومة تعبر عن نفسها بأن الشعب استرد دولته سلطة وموارد. والخطوة الأولى في صناعة البديل وبلورته استقلال الشرعية الشعبية عن المستبد الفاسد، الذي سقط في فخ أوهام الحكم بالقوة بديلاً للشرعية الشعبية، وفتح بذلك البوابة للخطوة المركزية لتطوير البديل بتكريس استقلال الشرعية الشعبية بعيداً عنه.
استكمال نزع الشرعية الشعبية عن المستبد الفاسد وعائلته سيفتح الباب لتشكيل شرعية بديلة، ولكن هذه الشرعية لن تتشكل عبر حركات يهلوانية شبيهة بألعاب السيرك، بل تحتاج إلى مشروع نضالي أهدافه واضحة، ومفردات خطابه واضحة، ووسائله النضالية واضحة كذلك. المشروع الثوري يكتسب ملامحه ويحصل على زخمه من الإجابة على الأسئلة المتعلقة باليوم التالي بعد التخلص من الاستبداد. فشرط البدء بتفكيك منظومة الاستبداد والفساد يتحقق بفاعلية وضوح الإجابة على سؤال: ما هي ملامح وقواعد عمل المنظومة البديلة التالية لمنظومة الاستبداد والفساد.
والمهمة الراهنة للحركة الديمقراطية الأردنية، هي تكريس استقلال الشرعية الشعبية بالعمل على بلورة المنظومة الديمقراطية البديلة، وتوضيح ملامحها، وصياغتها بعبارات واضحة ولغة لا تقبل التأويل، ومفردات قابلة للتداول على شكل شعارات وطنية، تشترك بها كافة مكونات الحركة الديمقراطية. فوحدة المفردات التي تعبر عن وحدة الهدف، هي التي تصوغ وحدة العمل الثوري وتحقق تكامله، وليس التنظيم المركزي. فالحركة الديمقراطية الأردنية لا تحتاج إلى تنظيم مركزي على طريقة لينين في مطلع القرن العشرين، بل إلى فكرة مركزية، يتنافس الجميع في خدمتها وفي حشد الشعب لتنفيذها. ومقدار الجهد في المرحلة الثورية سوف يحدد الدور المستقبلي لأي مجموعة عمل ديمقراطي وطني.
إن عملية الانتقال من الاحتجاج إلى الثورة، لا يمكن لها أن تبدأ قبل أن يصبح هذا الانتقال خياراً واضحاً لمجموعات عمل ديمقراطي وطني. فالتحولات التاريخية وإن كان يمكن التنبؤ بها، والتبشير بها عبر القول والكتابة، إلا أنها لا تتحقق قبل أن يظهر من يتبناها ويدعو لها ويقدم استحقاقاتها. وفي سياق التنبؤ، فإن هناك العديد من المؤشرات على ميل قطاعات شعبية مركزية ومهمة نحو تبني الخيار الثوري، باعتباره ضرورة لا بد منها، بعد أن ثبت عدم جدوى العمل الاحتجاجي كوسيلة للإصلاح والتغيير.
اخيراً، إن المسارات الآمنة للتحولات الثورية، تتطلب استمرار العمل على اضعاف المستبد الفاسد وعائلته وتقويض تحالفاتهم، وتقوية الحركة الديمقراطية الشعبية وتعزيزها. ومن الضروري تجنب أخطاء الحركات الثورية المغامرة، التي وقعت في فخ “زيادة الأعداء” في سياق التنافس على الشعبية، وتجاهلت ضرورة تعديل موازين القوى بشكل تراكمي، كشرط مسبق لضمان فتح المسارات نحو المستقبل المزدهر بتغيرات ثورية سلمية. إزالة العقبة بشكل سلمي، لتمكين الشعب من استرداد دولته سلطة وموارد وبناء الدولة الحقيقية، مهمة يمكن إنجازها بالحد الانى من عدم اليقين بالعمل التراكمي على: إضعاف المستبد الفاسد وعائلته، وتوضيح خيارات اليوم التالي
يتبع..
2023-09-29
