الاعلام الخليجي وسوق عكاظ!
وليد عبد الحي
تتمثل مهمة الاعلام السياسي في جوانب ثلاثة هي: نقل الاحداث السياسية طبقا لما يتوفر من معلومات عن الحدث، افساح المجال لوجهات النظر المختلفة حول التفاعلات السياسية اينما جرت وتجري ، واخيرا التثقيف السياسي للقراء. لكن مراقبة الاعلام العربي والخليجي وبخاصة السعودي والاماراتي نجده يمارس ثلاثة جوانب مقابلة هي: نقل الاخبار طبقا لتعليمات رسمية ، اقتصار الآراء المعروضة على ما يُداهن السلطة ، واخيرا المكايدة السياسية بدلا من التثقيف السياسي، ويلعب المال السياسي دورا مركزيا في هذه الجوانب يصل احيانا الى حد مفرط من الرشى . ولو اخذنا مركز الامارات والسعودية في مستوى الحرية الاعلامية سنجد ان السعودية تسجل نسبة حرية اعلامية 27.14% والامارات 30.6%، وتحتل الاولى المرتبة 166 عالميا بينما تحتل الثانية المرتبة 160.
وحيث ان دول الخليج معادية ل: الشيوعية والاشتراكية والقومية والعلمانية والليبرالية الديمقراطية وللاتجاهات الدينية السياسية وتمنع الاحزاب او تشكل المجتمع المدني ، فان مهمة اعلامها مقتصرة على إعادة نموذج ” سوق عكاظ”، اي التباري في المديح الكاذب والهجاء الأكذب ، وعند مقارنة كيفية التعاطي مع الاحداث السياسية في وسائل اعلام هذه الدول فان “المكايدة” السياسية هي السمة المركزية لمضمون المادة الاعلامية في هذه الوسائل، فهذا الإعلام الذي ينتقد طوفان الاقصى لم يجرؤ على تناول اي راي او معلومة او نبأ “يخالف راي السلطة” حتى لو كان الامر يتعلق بسعر سلعة معينة.
من جانب آخر، فان ضيوف الحلقات الحوارية يتمثلون في ” الشعراء الجدد” من الخبراء والمحللين الاستراتيجيين الذين يعرفون من أين تؤكل الكتف، وتجد هؤلاء والزهو بالظهور الاعلامي كما لو أنه اكتشف سر الخلق ، وهو امر قائم على القاعدة القديمة” بخٍ بخٍ ..اعطه يا غلام”.
كنت في السنوات السابقة ضيفا على عدد من المؤسسات الإعلامية لكني اكتشفت “تفاهات الاعلام العربي” حتى الوطني منها والذي لا يسمح الا لشعرائه بالظهور ، فالكل ليس الا سوق عكاظ مع بعض الفوارق في ذكاء الشاعر، فشعراء الجزيرة اذكى من شعراء العربية وسكاي نيوز او غيرهما ..لكنهم جميعا شعراء عكاظ ، لذا نجوت من هذه الاسواق ولن اعود.
لست ضد نقد اي موقف او حركة او نظام سياسي أو نهج سياسي او آيديولوجي، لكني عندما اقارن الاعلام الخليجي خاصة والعربي عامة مع الاعلام الاسرائيلي، فان بعض الاعلام الاسرائيلي ينتقد سياسات نيتنياهو وبقسوة ولكن برؤية معاكسة وبمنطق فكري( بغض النظر عن قبولك له او عدم القبول)، لكن الاعلام العربي القائم على ” توجيهات وحكمة ” الحاكم ليس الا صورة مقززة لسوق عكاظ ..
لا أجد ما اختم به هذه الخاطرة الا ما قاله الشاعر المصري الشعبي أحمد فؤاد نجم حيث يقول:
يا اللي قريتو الجرايد
كله كلام مغشوش
ومركبين في الصحافة بتوع وليها كروش
يدوس زر البتاع ينزل كلام مطروش
حمضان في حبر المطابع وكلنا عارفين
2024-08-08