الإنكار السياسي وإعادة إنتاج الفشل!
بقلم / عنان بدر
عندما تفشل حركة سياسية في تحقيق اهدافها فإنها تجد نفسها أمام ثلاث خيارات, الخيار الأول هو عمل مراجعة شاملة وحقيقية لأسباب الفشل ووضع خطة لمعالجة الفشل وبالتالي الصعود مجدداً وتحقيق الأهداف المنشودة. اما الخيار الثاني هو الوصول الى نقطة اللاعودة بحيث لا تستطيع هذه الحركة السياسية إنقاذ نفسها وبالتالي تضمحل وتختفي تلقائياً. أما الخيار الثالث وهو ما يهمنا ألا وهو ظاهرة الإنكار الجمعي وبيع الوهم والتي تمارسها حركة فتح والسلطة “الفلسطينية” وما يسمى منظمة “التحرير” الفلسطينية.
تتشارك هذه الكيانات الثلاثة خصوصاً أنها تتداخل فيما بينها, تتشارك بسياسة موحدة قائمة على الإنكار وبيع الوهم عبر إعادة إنتاج سرديات رمزية بديلة.
فحركة فتح تحديداً تمثل حالة نموذجية لدراسة هذه الظاهرة، إذ قادت المشروع الوطني الفلسطيني رسميًا منذ اواخر الستينيات، دون أن تنجح في تحقيق الهدف المركزي الذي بنت عليه شرعيتها السياسية ألا وهو إقامة دولة فلسطينية مستقلة على كامل التراب الفلسطيني.
ورغم مرور أكثر من ثلاثين عامًا على اتفاق أوسلو ورغم تغول الاستيطان لاكثر من عشرة أضعاف ورغم عدم وفاء الإحتلال بالتزاماته، لا يزال الخطاب السياسي للحركة قائمًا على الوعود ذاتها بل ذهب الى ما هو ابعد من ذلك، ففي ظل واقع سياسي واقتصادي واجتماعي يزداد تدهورًا يوماً بعد آخر تتعامل الحركة وكأن الدولة اصبحت حقيقة واقعة لا يمكن انكارها.
فتح التي تمثل العمود الفقري للسلطة الفلسطينية والتي تسيطر على منظمة التحرير منذ أن انضمت لها انتقلت من مرحلة إنكار فشلها المصحوب بإعتدائات الإحتلال من قتل وتدمير وسرقة الأراضي الممنهجة بل إنتقلت لكي تكون جزء من منظومة الإحتلال في قتل وإعتقال وتعذيب أبناء الشعب الفلسطيني لصالح المحتل بينما تمارس بيع الوهم.
ولأجل ذلك طورت هذه المنظومة الخيانية آلية إنكار جمعي تعمل كآلية دفاع سياسي. في علم النفس، يُعرَّف الإنكار بأنه آلية دفاعية لا واعية تهدف إلى تجنب الاعتراف بحقائق تهدد الهوية أو المكانة. وهنا نرى هذه الآلية في المجال السياسي، تتحول إلى إنكار مؤسسي يُمارَس من قبل القيادات الفتحاوية والسلطوية ويُعاد إنتاجه داخل القاعدة الجماهيرية على اوسع مدى.
بل إن المسؤولين ذهبوا لأبعد من ذلك بكثير، فلأول مرة في التاريخ تجد سلطةً تحت الإحتلال تحتفل بعيد الإستقلال، ولأول مرة تجد جامعة عسكرية تخرج الضباط الذين يحافظون على سلامة المستوطنين والمستوطنات ويختبئوا كالرجذان عند رؤية المحتل تجدهم يتعلموا ويتدربوا في جامعة تسمى جامعة الإستقلال.
لقد ابدع مسؤولي فتح والسلطة في تجاهل حقيقة فشل مسار المفاوضات الممتد منذ عام 1993 والمتوقف منذ ما يقارب العشرة سنوات وتعاملوا مع هذا الجمود السياسي كواقع لا بديل عنه. بل إن هناك اصرار على إعادة توصيف الانسداد السياسي كـ “مرحلة صعبة” أو “تعقيد مؤقت”.
وبينما يتغير الواقع الجغرافي والديموغرافي على الأرض لصالح الإحتلال يتم التعامل مع انهيار حل الدولتين كخطر نظري لا كواقع فعلي. لأن الاعتراف بالفشل هنا لا يعني مجرد خطأ سياسي، بل انهيار شرعية تاريخية زائفة بُنيت على فكرة “الممثل الشرعي والوحيد”.
كل ذلك يفسّر التنافر المعرفي في استمرار الدعم الشعبي لحركة أخفقت في تحقيق أهدافها. فالأفراد الذين استثمروا أعمارهم في الانتماء لهذه الحركة، والبعض منهم قدم تضحيات في النضال وأمضى سنين طويلة في الإعتقال، أولئك يروا في الحركة هويتهم السياسية، وبالتالي يجدون أن الاعتراف بالفشل يفرض عليهم الاعتراف بأن تاريخهم الشخصي والسياسي بُني على وهم.
ولذلك، يصبح أسهل نفسيًا إنكار الفشل أو تبريره بدل مراجعته ومن هنا يجد هؤلاء في من يوجه النقد لحركتهم العداء وينتهي بهم المطاف بالدفاع عن القيادة التي فرطت وتنازلت بل وخانت بدل مساءلتها.
هنا يجد هؤلاء الأشخاص انفسهم يتشاركون في تفكير جمعي يبرر وينكر كل ما يحرجهم وبالتالي يتم إغلاق المجال النقدي مما يشجع على الولاء الأعمى وبالتالي تصبح شروط الإرتقاء الوظيفي او التنظيمي الولاء المطلق بدلاً من الكفائة، هذا ما يفسر بأن جميع منتسبي جهاز المخابرات والامن الوقائي هم فقط ممن ينتمون لتنظيم فتح فهم يقدمون ولاءً مطلقاً يمنعهم من طرح اي تساؤل يذكر ويستعيضون عن اي تقصير بتقديس أحداث تاريخية أو أشخاص يرفعونها لمستوى القدسية والرمزية رغم تورط هذه الشخصيات بأفعال خيانية كالتنازل عن جزء كبير من ارض فلسطين.
في فتح، يُعاد إنتاج الخطاب وتكريره رغم فشله بل وإستحالة تطبيقه حيث أن الوقائع الميدانية (الاستيطان، الانقسام، غياب السيادة) تنفي ذلك بشكل يومي ومتزايد.. ورغم ذلك لا يوجد لديهم سوى إعادة صياغة نفس الخطاب: “المشروع الوطني مستمر”, “الدولة على الأبواب”, “لا بديل عن المسار السلمي”..إلخ من بيع الوهم.
من منظور علم الاجتماع السياسي، لا يمكن فهم الاستمرار في بيع الوهم دون تحليل العلاقة الطبقية داخل الحركة. فبعد توقيع إتفاقية أوسلو تكونت طبقة من “القيادة الفلسطينية” وأصبحت تشكل الطبقة الحاكمة, طبقة النخبة والبرجوازية التي تعيش بيروقراطية في وضع اقتصادي مستقر. بحيث تتقاسم المناصب وتستفيد من السلطة، الامتيازات، والسفر والتمثيل الدولي ولا تدفع ثمن الفشل المباشر.
أما القاعدة الشعبية فتعيش في فقر وظروف إجتماعية صعبة، بطالة، وقمع مزدوج من الإحتلال والسلطة في آن واحد. في البدايات كانت تطالب الشعب بالصبر ومن ثم تلاشت علاقة الإحساس بالمسؤولية تجاه الشعب ليحل محلها الشعور بالفوقية والحق في التحكم بمصير هذا الشعب دون ان يكون له اي دور في التشريع او المحاسبة.
ومع التغني بالشعارات الفارغة التي تنافي الحقيقة بدل السياسات يجد المواطن الفلسطيني نفسه امام وعود وأكاذيب عن دولة الوهم تباع كسلعة سياسية. وهنا يأتي دور الإعلام المأجور ليقوم بتزييف وعي الناس وليبيعهم الوهم ويعيد صناعة وعيهم مرةً اخرى، كل ذلك في سبيل تبرير إستمرار “القيادة” ذاتها مع علم الجميع المطلق بأن هذه القيادة غير شرعية ولا تمثل الشعب الفلسطيني.
ولكن، لماذا يستمر الفقراء في تصديق الوهم؟
هل شعبنا الفلسطيني بهذا القدر من السذاجة. علم النفس الاجتماعي يوضح أن الأمل يعمل كآلية بقاء نفسي خصوصاً إذا تم محاربة أي بديل آخر فإن ذلك يعزز من التعلق بالخيار الوحيد المتوفر. ومن ناحية اخرى فإن العمل على تخويف الناس من عواقب الحروب والفوضى يدفع لقبول الفشل الذي أصبح مألوفاً.
الناس فعلياً لا تشتري الوهم لأنه مقنع، بل لأنه أقل إيلامًا من الحقيقة، حقيقة أن مشروع التحرير لحركة فتح ومنظمة التحرير قد فشل، وأن النخبة “القيادة” لا تملك خطة بديلة سوى الإستمرار ببيع الوهم حتى تتمكن من البقاء وتجنب الفناء ككيان وأفراد.
بعد إثنان وثلاثون عاماً من مطاردة السراب وبيع الوهم للناس فإننا نجد أن المشروع الوطني الذي طرحته حركة فتح ومن خلفها منظمة التحرير قد تآكل أمام توسع الإستيطان وضياع حقوق الشعب الفلسطيني بينما النخبة تعيش في عالم منفصل تماماً عن الواقع حيث ان الظروف التي تحكمه اقرب ما تكون الى البرجوازية.
وكي يستديم هذا الترف فقد تم تحويل السلطة إلى غاية لا وسيلة وبالتالي تكرست الفجوة بين القيادة والناس. ولم يعد هناك اي فرصة لأي تجديد سياسي حقيقي بسبب الإستبداد والقمع الذي تمارسه هذه الطبقة البرجوازية المسماة بـ”القيادة”
وأمام الفساد المصاحب لهذه المنظومة وتركيزها فقط على مكتسباتها وإمتيازاتها، وأمام الإهمال في التعليم والصحة فقد تم إنتاج جيل فاقد للثقة بالسياسة ككل. جيل يشعر بحالة من الخوف والحيرة.
إن أخطر ما يواجه اي مشروع تحرر ليس الفشل بحد ذاته، بل العجز عن الاعتراف به ومواجهته.
فالإنكار قد يحمي “القيادة” والنخب مؤقتًا، لكنه يدمّر المجتمع على المدى الطويل، وبيع الوهم قد يمنح الفقراء عزاءً نفسيًا، لكنه يسلبهم حقهم في الحقيقة والمساءلة.
ختاماً عندما يتحول الحلم إلى تجارة لدى النخبة، يصبح الفقراء زبائن دائمين، وتصبح الحقيقة أكبر تهديد لهذه النخبة المتحكمة.
3/1/2026