الإبادة الحديثة، نزع السياسة، اللغة، والوصاية الإنسانية: فلسطين نموذجا (الجزء الثاني)!
(الجزء الثاني)
د. غانية ملحيس *
أولا: نزع السياسة والعقلانية الإدارية: من الديمقراطية إلى الحوكمة بوصفها شرطا للإبادة
إذا كان الجزء الأول قد بيّن أن الإبادة الحديثة ليست حدثا استثنائيا خارج منطق الحداثة السياسية، بل إحدى إمكاناتها البنيوية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: كيف تُدار هذه الإمكانية دون أن تظهر بوصفها عنفا عاريا أو جريمة سياسية؟
هنا لا يعود العنف محتاجا إلى خطاب كراهية صريح، ولا إلى تعليق فجّ للقانون، بل إلى عملية أكثر هدوءًا وعمقا. ^47. نزع السياسة هو الشرط الصامت لكل عنف «قانوني» لاحق.
نزع السياسة لا يعني إلغاء المؤسسات أو إنهاء الخطاب الديمقراطي، بل يعني إعادة تعريف السياسة ذاتها بوصفها عبئا إداريا، ومصدر اضطراب، ومشكلة حوكمة^48. من هنا، لا تبدأ الإبادة حين يُرفع السلاح فحسب، بل حين تُفرَّغ السياسة من معناها، ويُعاد تعريف الحكم بوصفه مسألة تقنية، لا مجالا للتنازع الأخلاقي. في هذا التحول، لا يُقصى الفاعل السياسي بالقوة، بل يُعاد تصنيفه: من ذات سياسية قادرة على الفعل والمطالبة، إلى موضوع إدارة، أو حالة تقنية، أو ملف أمني-إنساني^49.
ثانيا: نزع السياسة: السياسة كعبء إداري ومصدر اضطراب
في هذا السياق، يشكّل مفهوم نزع السياسة المفتاح النظري لفهم التحول العميق الذي عرفته الأنظمة الليبرالية الغربية منذ سبعينيات القرن العشرين، وهو التحول الذي مهّد بنيويا لما نراه اليوم من إبادة مُدارة لغويا وإنسانيا.
بهذا المعنى، لا تمثل العقلانية الإدارية نقيض الديمقراطية، بل إحدى صيغها المتأخرة، حيث تُستبدل السياسة بالحوكمة، والصراع بالتنظيم، والمساءلة بالإدارة^50. ومن داخل هذا التحول، تصبح الإبادة الحديثة ممكنة ليس بوصفها قرارا سياديا فجا، بل بوصفها نتيجة «منطقية» لإدارة فائض بشري جُرّد مسبقا من صفته السياسية^51.
يسعى هذا الجزء إلى تفكيك مفهوم نزع السياسة بوصفه شرطا بنيويا للإبادة، من خلال تتبّع تحوّل الديمقراطية الليبرالية من فضاء للصراع والتمثيل إلى منظومة ضبط واستقرار، حيث يُعاد تعريف المشاركة، والشرعية، وحتى العنف، بلغة الكفاءة، والأمن، والضرورة^52.
ثالثا: الديمقراطية كمشكلة: الانتقال من الحق السياسي إلى الإدارة التقنية
من الديمقراطية كصراع إلى الديمقراطية كمشكلة.
تاريخيًا، لم تكن الديمقراطية نظاما مستقراً أو توافقيا، بل فضاء للصراع الاجتماعي، حيث تتواجه المصالح، وتُنتَج الشرعية عبر التنازع^53.
غير أن هذا الطابع الصراعي بدأ يُنظر إليه، في سياق الرأسمالية المتقدمة، بوصفه خطراً على “الاستقرار” و” قابلية الحكم” ^54.
في هذا التحول، لم تعد المطالب الشعبية تُقرأ بوصفها حيوية سياسية، بل بوصفها أزمات: أزمة توقعات، أزمة مشاركة، وأزمة قابلية للنظام للحكم^55.
وهنا يبدأ الانتقال من فهم الديمقراطية كحق سياسي، إلى التعامل معها بوصفها مشكلة إدارية تحتاج إلى ضبط^56.
رابعا: السبعينات: صدمات الرأسمالية الغربية وأزمة قابلية الحكم
شكلت بداية عقد السبعينات مرحلة تاريخية فاصلة لتضافر مجموعة عوامل أبرزها:
• تفاقم معضلة الحرب الأمريكية في فيتنام وتزايد أعبائها.
• احتدام الصراع التنافسي بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي.
• انهيار نظام بريتون وودز (1971) للتخلص من أعباء حرب فيتنام بفصل ارتباط الدولار بالذهب.
• صدمة النفط الأولى (1973).
• تراجع الهيمنة الأمريكية المطلقة.
• صعود اليابان وأوروبا الغربية كمراكز اقتصادية منافسة.
• أزمة “قابلية الحكم” داخل الديمقراطيات الغربية (احتجاجات، نقابات قوية، يسار جديد) ^57.
وبدا أن النظام الرأسمالي الغربي يعيش أخطر أزمة بنيوية بعد الحرب العالمية الثانية، فجاءت فكرة تشكيل اللجنة الثلاثية من: الولايات المتحدة، وأوروبا الغربية، واليابان، أي المراكز الصناعية – المالية الأساسية للنظام الرأسمالي العالمي في ذلك الوقت، كاستجابة نُخبوية منسقة لأزمة النظام الليبرالي الغربي^58. اقتصرت اللجنة على المراكز الصناعية الغربية الثلاث ولم تشمل الجنوب العالمي، أو العالم العربي، أو إفريقيا، أو أمريكا اللاتينية، هؤلاء كانوا بالنسبة للنظام الليبرالي موضوع إدارة، لا شركاء في القرار^59.
خامسا: اللجنة الثلاثية: النخبة والتقنية كبديل عن السياسة
اللجنة الثلاثية (The Trilateral Commission) هي واحدة من أكثر الكيانات نخبوية وإثارة للجدل في تاريخ النظام الدولي المعاصر^60.
النشأة: تأسست اللجنة عام 1973/1974 بمبادرة من:
• ديفيد روكفلر (رئيس بنك تشيس مانهاتن آنذاك، وأحد أعمدة الرأسمالية المالية الأمريكية)
• زبيغنيو بريجنسكي (مفكر استراتيجي بولندي-أمريكي، أصبح لاحقا مستشار الأمن القومي للرئيس كارتر) ^61.
الأهداف المعلنة:
• تعزيز التعاون بين الديمقراطيات الصناعية.
• تنسيق السياسات الاقتصادية.
• حماية النظام الليبرالي العالمي.
• مواجهة الفوضى وعدم الاستقرار^62.
لكن الجوهر الحقيقي هو إدارة أزمة الهيمنة الغربية، وليس توسيع الديمقراطية.
اللجنة أسست لاحتواء التمرد الاجتماعي، وضبط الرأسمالية الغربية دون المساس بجوهرها، وحماية النظام الليبرالي من تناقضاته ^63.
سادسا: تقرير “أزمة الديمقراطية” (The Crisis of Democracy, 1975)
يعد أخطر وثيقة صادرة عن اللجنة الثلاثية، أعدتها، بطلب داخلي، شبكة نخب سياسية – اقتصادية – أكاديمية غير حكومية، لكنها قريبة جدا من دوائر صنع القرار. صدر بصيغة بحثية منشورة وليس مذكرة أمنية، ورغم أهميته الفائقة لم يحظ بتغطية إعلامية، ولا باهتمام الساسة والباحثين العرب المنشغلين بهمومهم الذاتية. ما يجعل التركيز عليه ضروريا لفهم جذورالسياسات الحديثة.
أبرز المفكرين المشرفين على التقرير
• صامويل هنتنغتون: منظّر سياسي أميركي، أحد أبرز وجوه الفكر المحافظ، صاغ منطق الاستقرار، قابلية الحكم، ونزع السياسة داخل الديمقراطيات الغربية. لا يبرّر الإبادة أخلاقيا، لكنه يضع الأساس النظري الذي يجعلها ممكنة إداريا، فمنطقه يقوم على اعتبار المجتمع مشكلة، والسياسة عبء، والصراع خطر، والإدارة هي الحل، وهو مؤلف كتاب صراع الحضارات الصادر عام 1996. ^64
• ميشيل كروزييه: عالم ومنظّر فرنسي في علم الاجتماع التنظيمي والسياسي، حلّل بيروقراطية الدولة الحديثة وأزمة الحكم في الديمقراطيات الغربية خلال النصف الثاني من القرن العشرين، يرى أن الصراع السياسي المفتوح يُربك الدولة الحديثة. واقترح تعزيز الإدارة بالخبراء والتقنيات التنظيمية بدل الصراع السياسي. ^65
• جوجي واتانوكي: عالم سياسة ياباني، مختص في السلوك السياسي والثقافة السياسية والديمقراطية المقارنة، وأحد أبرز ممثلي المنظور الياباني/الآسيوي داخل الفكر الليبرالي الغربي المنظَّم بعد الحرب العالمية الثانية. ركز على نموذج اليابان كديمقراطية مستقرة تتحكم في المشاركة السياسية عبر النخب والبيروقراطية، بما يعكس منطق نزع السياسة باسم الاستقرار. ^66
خلاصة تقرير اللجنة: أوضح التقرير أن الديمقراطية أصبحت مفرطة، وكثرة المشاركة الشعبية تهدد الحكم، كما أن النقابات، والحركات الطلابية والأقليات باتوا يشكلون عبئا، ما يعوق قدرة الدولة على اتخاذ القرار. لذلك طُرح مفهوم الديمقراطية المُدارة (Democracy without demos)، أي ترشيد المشاركة لتسهيل الإدارة، ما يمهد لنزع السياسة وإفراغ المجال العام من الصراع^67–69.
النقد المستقل لتقرير اللجنة
للمزيد أضغط على الرابط
https://alantologia.com/blogs/91229
4/2/2026