الأصعب هو تفسير السهل ….!
عماد قطينة
قد يتسائل أو يستغرب البعض عن السبب في صعوبة تفسير السهل , وهذا موقف مُحق . وللإجابة نحتاج الى استعادة أحداث ومواقف لتؤكد هذه الرؤية بالملموس , والذي لن يكون شافيا لبعض من لا يتعظ أو لا يريد الإتعاظ .
ومن الجيد أن نبدأ بأكثر الملموسيات في تاريخنا الحديث , وهو الحركة الصهيونية الإستعمارية وتجسيدها المادي دولة الكيان الإسرائيلي .
هذه الحركة هي الأكثر وضوحا في عدائها ليس للشعب الفلسطيني الذي شردته وطردته من أرضه , وارتكبت بحقه مجازر عديدة يندى لها الجبين , بل وعدوة للعرب والعروبة بإحتلالها لأراض سورية ومصرية ولبنانية وأردنية , وعدوة أيضا للبشرية عموما من خلال استباحتها للقرارات الدولية وتدخلاتها في المناطق الساخنة بالتسليح والتدريب والتخريب ومحاولات الإنقلاب في أمريكا اللاتينية وافريقيا وبعض الجمهوريات السوفيتية سابقا, وطبيعي التذكير بالدور الإقليمي العدائي ضد بعض الدول بمنشآتها الصاعية وكفاءاتها العلمية .
ولا ننسى إدانة الصهيونية في الأمم المتحدة في منتصف سبعينيات القرن الماضي بالعنصرية , وهذا ما يعفينا من تهمة اللاسامية المفتعلة التي عادة ما يوصف بها كل من يعادي الصهيونية , لأن القرار أممي وليس فلسطيني او عربي . حتى تكرمت الرجعيات العربية والغباء السياسي الفلسطيني بالسماح بإعادة النظر في هذا القرار الأممي بعد مؤتمر مدريد واتفاقات اوسلو وشطبه رغم جرائم الكيان في الإنتفاضة الأولى التي خلفت أكثر من 1350 شهيدا مدنيا غير مسلح معظمهم بالرصاص الحي , والباقي نتجة الضرب المفضي للوفاة .
وفي الإنتفاضة الثانية مورست حرب الإبادة والتدمير للبيوت والأحياء والمخيمات , وللطرق وشبكات المياه والكهرباء والإتصالات , عدا آلاف الشهداء وعشرات آلاف الجرحى والمعتقلين , وليس أدل وأسطع على الجريمة من اقتحامات المدن كاملة وتدمير مخيم جنين عن بكرة أبيه . ولا داعي لذكر تصفية القيادات الفلسطينية كأبي علي مصطفى وأحمد ياسين والرنتيسي , وتتويجا بصانع ما سمي بالسلام معهم , والذي كرّمه المجتمع الدولي بجائزة نوبل للسلام .
أما حروب غزة المتوالية وسياسة الأرض المحروقة التي لم تستثني شجرا او حجرا أوطفلا ولا امرأة او شيخا فانيا . هذه الحروب التي أوقعت آلاف الشهداء غالبيتهم العظمى من الأطفال والنساء والشيوخ . عائلات بأكملها تم مسحها من السجل المدني , أبراج سكنية تمت تسويتها بالأرض , مدارس ومقار الأمم المتحدة كانت أهداف مباشرة لمجازره .
كل هذا على مرآى ومسمع العالم بالصوت والصورة , ( دون ان نُذَكّرَ بالإعدام الميداني المُقر رسميا في الكنيست للمئات من ابناء شعبنا من اطفال ونساء وشباب وشيوخ بدعوى حيازة سكين او عصا او مفك ) . وبالمعايشة اليومية لنا و لقادتنا و ساستنا وأمتنا العربية من المحيط الى الخليج وايضا شعوب العالم لجرائم المستوطنين بحماية جيش الكيان من حرق كما مع عائلة دوابشه والطفل محمد ابوخضير الذي سُكب البنزين في جوفه وتم إشعاله . كل هذا بعض من جرائم وثقافة الكيان ومرجعيته الصهيونية .
أما سياسة التهويد والأبارتهايد والإستيطان والفصل العنصري التي يمارسها الكيان تحت مظلات عديدة أهمها حقوق المستوطنين والتفاوض الثنائي لحل الصراع وغيره من الحجج بعدم وجود شريك للسلام , ووصف الرئيس بالإرهاب وهو الذي جرّم بطريقة أو أخرى النضال الفلسطيني بالإرهاب حين تخلى عن الوثائق الدولية التي تبيح للشعوب ممارسة كافة أشكال النضال من أجل نيل الإستقلال بما فيها الكفاح المسلح , وأعتبر الصواريخ عبثية والأعمال الفدائية تخريب للإتفاقيات , وأدان بعضها , وأكد مئة مرة بأن التنسيق الأمني مقدس , والتفاوض الثنائي خيار استراتيجي وحيد , وحصر حق العودة بالتراضي مع الكيان … الخ
قد تبدو كل هذه أمور تحتمل تباين الإجتهاد والتفسر على خلفية المناهج التي تلجأ للتبرير وفق المثل القائل ( عنزه ولو طارت ) رغم وضوحها المطلق , لكن ما لا يمكن التهرب من الإقرار به هو الإعتداء على المقدسات الإسلامية والمسيحية في كل الأماكن في القدس والخليل وبيت لحم كما نابلس وبقية المدن والقرى الفلسطينية , وما يتعلق بالأملاك الكنسية والوقفية الإسلامية .
مثل هذه التفاصيل والمعطيات من الحقائق المدعمة بالصور على سهولتها ووضوحها وكونها مباشرة , لم تستطع إقناع التسوويين والتطبيعيين من فلسطينيين وعرب , بأن الصهيونية عدوة أبدية لهم وللبشرية عامة .
لهذا قلنا في البداية أن الأصعب هو تفسير الأسهل أو المُفَسّر . هذا حال قيادتنا السياسية في الوطن العربي , التي تغمض العين عن كل معطيات العداء لترى فقط التعاون الأمني والتحالف الإقتصادي والثقافي والرياضي ضد شعوبها , لتركض خلف التطبيع على حساب شعوبها وشعبنا الفلسطيني .
2021-12-10