الأصعب في الكتابة هو زمن تزاحم الأحداث و زخمها !
عماد قطنيه
فرغم غزارة المعطيات وكثافتها , إلا أن خروجها عن النص السياسي إلى النص الشخصي يخلق حالة من التناقض بين المنطق واللامنطق , مما يزيد مساحة الخطأ في التقدير التحليل دون الخرج عن السياق العام للرؤية والتقييم الإستراتيجي .
العدو الصهيوني ونتيجة لما واجهه في السابع من أكتوبر خرج من عباءة التجميل و البروبغاندا لواحة الديمقراطية الوحيدة في الشرق , الى العُري التام والفضيحة لأفكاره و ايديولوجيته وسلوكه البربري المنحدر حد سلوك المافيا الرسمية للدولة .
ليس هذا فحسب , بل جرّ معه كل المعسكر الإستعماري الإمبريالي , و دمغهم بما دمغ به نفسه كشركاء في كل تفصيل من تفاصيل الإبادة في غزة , وتورطوا جميعاً في كل المؤسسات من مجلس أمن وجمعية عمومية الى محكمة جنايات لحماية الكيان من تبعات جرائمه , وذلك جزء من محاولة تبرير دعمهم ومشاركتهم العسكرية المباشرة و الإقتصادية والسياسية .
إن كل مناورات الوساطة التي يمارسها الأمريكي وحلفائه هي جزء عضوي من المؤامرة لتصفية القضية ومنح الكيان الوقت الكافي والدعم الكافي لتحقيق أهدافه , وهذا موقف استراتيجي وليس تكتيكي , والتكتيكي هو فقط تخريج المناورة كما لو كانت مسألة يتحمل مسؤوليتها المقاومين في غزة وحلفائهم .
والفشل في تحقيق أهداف العدوان في غزة رغم حجم الإبادة ونوعها وشكلها , هو ما يفسر الإنتقال الى فتح جبهات أخرى , ليس على قاعدة القدرة على الإنتصار والحسم , وإنما على الإيحاء بتلك الإمكانية وترويج مقولة استعادة اسرائيل الرادعة في الإقليم , وأيضاً اختيار جبهة محدودة الإمكانية والتسليح و ممارسة ذات النهج والقدرات في التدمير دون وقوع خسائر يمكن أن تؤكد ضياع هيبته وردعه , كما حال الشمال من الضفة الغربية .
والفشل أيضاً تكرس في محاولة توسيع الحرب الى حرب اقليمية تدخلها أمريكا وباقي توابعها الغربيين مباشرة , وذلك لغياب الظروف المواتية لأمريكا بغض النظر عن الرغبات , وأيضاً لكيفية إدارة المحور المقاوم لتلك الأفخاخ التوريطية .
هنا نقف أمام الأزمة والمخارج , فلا نتنياهو قابل للمساومة على مستقبله السياسي , ولا هو يستمع لرأي الجيش والمخابرات , ولا لضغط أهالي الأسرى , ولا هو يأخذ بالحسبان مصالح الكيان ولا أمريكا أيضا , و يجازف بالكل مستغلاً الدعم اللامتناهي واللامحدود والحماية السياسية و القضائية , وأيضا الإنتخابات الأمريكية التي يتنافس فيها المتنافسون على من يقدم أكثر للكيان .
هكذا أصبح نتنياهو المقرر في الحرب والقائد لها , وهذا ما يفسر صعوبة قراءة الأحداث ومستقبلها وربما إدارتها . إنما كل ذلك لن يلغي حقيقة الهزيمة بمعانيها الحقيقية وليس بالضرورة الرقمية منها , ولن يلغي حقيقة أن لابد لهذه الإبادة من يوم تتوقف فيه , ولابد لصفقة تتوج بالإفراج عن اسرى كانت آمالهم وآفاقهم بالتحرر مغلقة , و حقيقة أن القضية باتت مركزية دولية وليس مجرد صراع فلسطيني صهيوني , وأن المنطقة انتقلت الى المحاور الميدانية بعد أن كانت نظرية حتى السابع من أكتوبر .
2024-09-08