الأسطورة المُلثم ، كما سيد الإشتباك من نقطة صفر [ عماد عقل ]!
رنا علوان
من ذا الذي يُقرضنا بعضاً من الإمتنان والتقدير والشكر والعرفان لنضيفه الى ما نكُن لهؤلاء الأبطال ، لقد بتنا نعجز امام وصف ما يستحقون ، كما باتت جميع كلمات الثناء التي في الوجود لا تفيهم
عماد حسن إبراهيم عقل ( ابو حسين ) الفلسطيني «المُلثم» الذي أجبر إسحاق رابين على وصفه بـ«الأسطورة» أما لقب «سيد الاشتباك من نقطة صفر» فقد حازها من ابناء وطنه ، عماد الذي لم تمتد مسيرته اكثر من ثلاث سنوات ، وضع بحنكته وحرفيته معادلة جديدة في قانون المقاومة ( أصقلت هذا الخط ، وانهكت العدو )
وُلد الأسطورة المُلثم في عام 1971 ، في مخيم جباليا شمال قطاع غزة ، وكان والده يعمل مؤذنًا لمسجد الشهداء في المخيم ، هاجر أهله بعد نكبة عام 1948 من قرية “برير” القريبة من المجدل ، بدأ مسيرته في المقاومة عام 1990 ، حيث شارك في تأسيس «مجموعة الشهداء» ، أول مجموعة عسكرية لـ« كتائب القسام » ، التي نفّذت العديد من العمليات الفدائية بأساليب جديدة ومبهرة ، حيث كانت أغلب العمليات التي نفّذها [ من مسافة صفر ]
لقد تميّز عماد بإسلوبه العملياتي الجريء والفريد أيضاً ، فقد خلق مساراً استراتيجياً جديداً في فعل المقاومة ، بمعادلة تسُد العوز للعتاد الذي كان شحيحاً جداً ، ( هذا الاسلوب ظلّ مجهولاً لجيش العدو حتى اغتياله ) ، وهو ما انعكس صدمة أمنية وعسكرية في أروقة حكومة العدو ، حتى اصبح يتردد اسم عماد عقل كثيرًا في الاجتماعات الأمنية للعدو ، الذي اصبح يرجوه خلال تصريحاته ( نريد النوم )
فعماد الذي كان ( الرقم الصعب ) أمام قوات الاحتلال وقدوة جهادية للفلسطينيين ، نفذ خلال سنتين من المطاردة أكثر من أربعين عملية بطووولية ، كان أبرزها عملية مسجد مصعب بن عمير ، التي تعدّ أول عملية مصورة في تاريخ المقاومة الفلسطينية
درس العماد في إحدى مدارس مخيم جباليا في المرحلة الابتدائية وحصل على ترتيب بين الخمسة الأوائل بين أقرانه ثم انتقل إلى المدرسة الإعدادية ، وبرز تفوقه مرة أخرى بحصوله على مرتبة متقدمة بين الأوائل ، وفي عام 1988 أنهى المرحلة الثانوية وأحرز المرتبة الأولى على مستوى المدرسة وبيت حانون والمخيم
تقدم العماد بشهاداته العلمية إلى معهد “الأمل” في مدينة غزة لدراسة تخصص الصيدلة ، إلا أنه ما إن أتم إجراءات التسجيل ودفع الرسوم حتى اعتقلته قوات الاحتلال وأودعته السجن ، وذلك في 23/9/1988 ليقدم للمحاكمة بتهمة الانتماء لحركة “حماس” والمشاركة في فعاليات الانتفاضة الأولى ، وقضى على أثر ذلك 18 شهرًا في المعتقل
وفي العام الدراسي 1991-1992 تم قبوله في كلية حطين في عمّان قسم “الشريعة” ، إلا أن سلطات العدو منعته من التوجه إلى الأردن بسبب نشاطه ومشاركته في الانتفاضة
في بداية عام 1991 تمّ اختيار عماد عقل ليكون ضابط اتصال بين “مجموعة الشهداء”، وهي أولى مجموعات كتائب القسام التي كانت تعمل بشكل أساسي في قتل المتعاونين الخطيرين مع الاحتلال والإستحواذ على قطع السلاح وإعطاءها الى أفراد المجموعة استعدادًا لتنفيذ عمليات عسكرية ضد دوريات وجنود الاحتلال ، والمعادلة ( نأخذ السلاح من يد من لا يستحق وإعطاءه الى من يستحق )
في 26/12/1991 أصبح العماد مطاردًا لجيش الاحتلال وأجهزته الأمنية بعد اعترافات انتزعت من مقاومين بعد تعرضهم لتعذيب شديد
وفي 22/5/1992 انتقل إلى الضفة الغربية وعمل على تشكيل مجموعات لكتائب القسام هناك ، ليعود في 13/11/1992 إلى قطاع غزة بعد أن نظّم العمل العسكري في الضفة الغربية ، وجاءت عودته نتيجة اعتقال قوات الاحتلال للعشرات من مقاتلي “كتائب القسام” في الضفة ، فرفض العماد بعدها الخروج من قطاع غزة إلى خارج فلسطين حيث أصرّ على البقاء رغم الخطورة في ذلك
خلال عامين من المطاردة الإسرائيلية الشرسة ، ظل العماد يجوب الضفة الغربية وقطاع غزة ، مُشكِّلاً مجموعات من المقاومين ، ومُنفّذاً للعديد من العمليات والمعارك ، ففي نيسان /ابريل حطم سيارة لمخابرات العدو وأصاب ركابها في حي الشيخ عجلين جنوب غزة ، وجرح 4 جنود بينهم امرأة برتبة ضابط بالخليل في 21/10/1992 ، وقتل جنديًا وجرح آخر بالخليل في 25/10/1992 ، وقتل ثلاثة جنود بينهم ضابط بطريق الشجاعية في 7/12/1992، وجرح جنديين في غزة في 12/2/1993
وأبرز العمليات كانت عملية مسجد “مصعب بن عمير” في حي الزيتون بغزة والتي شكّلت هذه بداية مرحلة جديدة ، فقد كانت ، أول عملية مُصورة يتم التخطيط لها بشكل مُحكم ، وموجهة ضد الآلات العسكرية الإسرائيلية ، إذ اقتصر عمل المجموعة بعد المطاردة على العمليات التطهيرية للعملاء ومروجي الفساد والمخدرات
لم يدّخر جيش العدو أي جهد لاغتيال العماد أو الوصول إليه بل سعى لذلك بما أوتي من قوة ، وقد حاول اغتياله أكثر من مرة ، كما عمل على تجنيد عملاء لذلك الهدف ، وكان إسمه على رأس قائمة المطلوبين
وفي يوم الأربعاء 24/11/1993 كان العماد صائماً ورفاقه ، فأعدت لهم ( الخنساء ) ام نضال فرحات ( الأم الروحية لكل مقاوم ) طعام الإفطار في حي الشجاعية شرقي مدينة غزة ، فقد كان منزلها مأوى لكل حُر وشريف ، وبعد رصدٍ قام أحد العملاء بالدلالة على مكانه ورفاقه ، عندها حاصرت قوات الاحتلال الحي ، وجرى تبادل لإطلاق النار بين البطل وقوات الاحتلال ، أسفرت عن مصرع عدد من جنود العدو ، وارتقاء العماد بروحه الى الملكوت الأعلى ، الذي ظل جسده مُسجَّاً على تراب الوطن ومعانقاً إياه ، إثر أصابته بإحدى القذائف المضادة للدروع التي استخدمها جنود العدو في معركتهم ضده ، تلك القذيفة التي اثارها الفضول لرؤية وجهه الجميل المُلثم بالكوفية التي كلما ارتداها مقاوم ازدادت تقديراً وتألقاً
سلامٌ على العماد في عليائه ، كما سلامٌ على الخنساء ورفاقه ، وكل من وطأت قدمه هذا الدرب
2022-11-25