الأزمة = شطب وظائف!
الطاهر المعز
أعلنت الشركات الأمريكية شطب أكثر من 153 ألف وظيفة خلال شهر تشرين الأول/اكتوبر 2025، وهو رقم قياسي منذ أكثر من عقدَيْن وفقًا لبيانات شركة “تشالنغر غراي أند كريسماس” المتخصصة في التوظيف، وأعلنت شركة أمازون يوم الثامن والعشرين من تشرين الأول/اكتوبر 2025 وهذه عينة من الشركات الأمريكية والأوروبية التي أعلنت عن خطط خفض الوظائف، فقد أعلنت شركة أمازون، عملاق تجارة التجزئة الإلكترونية الأميركية، يوم الثلاثاء الرابع من تشرين الثاني/نوفمبر 2025، عزمها شطب حوالي 14 ألف وظيفة إدارية، وادّعت أمازون “سوف يتم إنشاء وظائف جديدة في إدارات أخرى، وسوف يتم منح العاملين المتضررين تسعين يوما للبحث عن مناصب أخرى بالشركة” وذكرت تقارير إخبارية أخرى في وقت سابق أن أمازون تعتزم شطب ما يصل إلى ثلاثين ألف وظيفة، على دفعات، ولا يمثل إعلان شطب 14 ألف وظيفة سوى الدّفعة الأولى، ويمثل عدد الوظائف المقرر شطبها حوالي 10% من إجمالي عدد العاملين في أمازون البالغ عددهم نحو 350 ألف في أنحاء العالم، وهي أكبر عملية شطب وظائف في الشركة منذ أواخر 2022 عندما شطبت حوالي 27 ألف وظيفة، وتتزامن عمليات شطب الوظائف مع تزايد عدم الاستقرار في سوق العمل الأميركية، التي أظهرت علامات توتر لعدة أشهر، لا سيما بالنسبة للشباب في قطاع التكنولوجيا، بسبب خفض النفقات الحكومية. أما أمازون وشركات التكنولوجيا فقد توسّع نشاطها بفعل الدّعم الحكومي وبفعل ازدهار التجارة الإلكترونية أثناء انتشار فيروس كوفيد -19، وتتزامن عملية شطب عشرات الآلاف من الوظائف مع زيادة استخدام “الذّكاء الإصطناعي” وزيادة الأتْمَتَة ( Automatization ) بهدف خفض التكاليف، مما يهدّد مستقبل الوظائف التقليدية، ويأتي إعلان شطب الوظائف في أمازون بعد أيام من إعلانها اعتزامها توظيف 250 ألف عامل بدوام كامل وجزئي وموسمي خلال فترة التسوق بمناسبة عطلات آخر السنة الميلادية، وهي وظائف هشّة ومؤقتة ومُرهقة…
في ألمانيا، أظهر استطلاع أجراه معهد الاقتصاد الألماني”آي دبليو” في مدينة كولونيا، ونُشِرت نتائجه يوم الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر 2025، إن 36% من الشركات تعتزم شطب وظائف سنة 2026، فيما أعلنت 18% من الشركات اعتزامها تشغيل موظفين جدد، وحظي قطاع الصناعة بالنصيب الأكبر من التّشاؤم، حيث تخطط 41% من الشركات الصناعية لتسريح موظفين، وتعتزم 13% من شركات قطاع الصناعة تشغيل موظفين جدد، بسبب تدهور اقتصاد ألمانيا، وبالأخص قطاع الصناعة الألمانية، بعد عامَيْن من الرّكود، رغم تفاؤل الحكومة التي تتوقع نموّا بنسبة 1,3% سنة 2026 بفضل عسكرة الإقتصاد وضخ مبالغ كبيرة في مشاريع البنية التحتية والمناخ والتّسلّح، خلافًا للتوقعات المتشائمة للشركات التي يشتكي مديروها من ارتفاع أسعار الطاقة ( بعد وقف استيراد الغاز والنّفط الرّوسِيّيْن بأسعار منخفضة ) وارتفاع الضرائب، وبالمناسبة فإن كل شركات العالم تشتكي من ارتفاع الضرائب، رغم المِنَح والإمتيازات والإعفاءات الضريبية التي تُقرّها معظم حكومات العالم، فقد أقَرّت الحكومة الألمانية تخفيضات ضريبية هامّة للشركات بهدف “تشجيعها على زيادة استثماراتها”، لكن لم ترتفع استثمارات الشركات، لكن الشركات الألمانية تأثرت مثل معظم شركات أوروبا والعالم بعواقب الحرب في أوكرانيا والحرب التجارية التي شنّتها الولايات المتحدة، ومن الشركات التي تعتزم خفض الوظائف، شركة لوفتهانزا للطيران التي أعلنت يوم 29 أيلول/سبتمبر 2025 شطب أربعة آلاف وظيفة بحلول سنة 2030، وستجري “رقمنة وأتْمَتَة هذه الوظائف ودمجُها ببعضها”، وتُعتَبَر لوفتهانزا أكبر شركة طيران في أوروبا، ويعمل بها حوالي 103 آلاف موظف في أنحاء العالم، نفذوا إضرابات عديدة خلال السنوات الماضية بسبب ضُعْف الرواتب وسوء ظروف العمل، وأعلنت إن خفض الوظائف يهدف إلى رفع الربح التشغيلي (الأرباح قبل احتساب الفوائد والضرائب) من 8% إلى 10% من الإيرادات مستقبلا.
في سويسرا أعلنت “نستليه” أكبر شركة عالمية للغذاء (المصنعة للقهوة والشوكولاتة والإذية وطعام الحيوانات الأليفة…)، يوم 17 تشرين الأول/اكتوبر 2025، شطب 16 ألف وظيفة خلال السنتَيْن المُقْبِلَتَيْن، في إطار حملة “خفض التكاليف بسرعة للتكيف مع الظروف العالمية المتغيرة”، وفق تعبير المدير التنفيذي فيليب نافراتيل، وسبق أن أعلنت الشركة خفض النفقات بنحو 2,5 مليار فرنك سويسري، ثم رفعت خفض النفقات المستهدف إلى ثلاث مليارات فرنك سويسري (3,7 مليار دولار) بحلول نهاية 2027، بعد ” تراجع طفيف في المبيعات للتسعة أشهر الأولى من سنة 2025 بنسبة 1,9% مقارنة بالأشهر التسعة الأولى من سنة 2024″…
يختلف مفهوم الأزمة من طبقة إلى أخرى، فعندما يتحدّث الرأسماليون عن الأزمة فإنهم يتحدّثون عن انخفاض الربح أو “الاتجاه النزولي لمعدل الربح” (The downward tendency of the rate of profit ) أما بالنسبة للعامل والموظف والمُعطّل عن العمل فإن الأزمة تعني شطب الوظائف وصعوبة العثور على وظيفة، أي الحرمان من الدّخل والتهديد بالخصاصة وبالتّشرّد والجوع، ولذلك فإن الكادحين والفُقراء يتحمّلون نتائج الأزمة التي لا ناقة ولا جمل لهم فيها، فيما يحصل الرأسماليون والأثرياء على المال العام – خلال أزمات تسببوا في حصولها – لأن معظم حكومات العالم تُمثّل مصالح الأثرياء وتنحاز لهم ضدّ الكادحين والفقراء
2025-11-11