الأحزاب الديمقراطية الثورة ومشروع ربط العروبة بالإسلام!

د.عدنان عويد
لقد اشتغلت هذه الأحزاب براغماتيا على مستوى الخطاب الديني عندما ربطت برؤية توفيقية/ تلفيقيه ما بين العروبة والإسلام, لاعتقادها بأنها قادرة بهذا الربط أن تُكسب مشروعها السياسي مشروعيته أمام الجماهير التي يغطي الوعي الديني حيزاً كبيراً من ذهنيتها أولاً, و لمنافسة الأحزاب الدينية, وبخاصة الإخوان الذين ربطوا الدين بالسياسة أيضاً عبر طرحهم مشروع الحاكمية لله ثانياً, ثم منافسة الأحزاب اليسارية (الشيوعية) التي تشاركها الشعارات النهضوية والتقدمية وإظهارها معادية للدين أمام الجماهير ثالثاً. هذا دون أخذها بالاعتبار أنها بربطها بين العروبة والإسلام كانت تعمل على تعميق أزمة خطابها السياسي, كون الدين الإسلامي في المحصلة هو أيديولوجيا ترفض الفكرة القوميّة, كما ترفض فكرة المواطنة وكل ما يتعلق بمفاهيم الحداثة والعلمانيّة التي تتبناها هذه الأحزاب في خطابها الأيديولوجي, وهي أيديولوجيا غيبية لا تؤمن بوجود قوانين موضوعية تتحكم بألية عمل الظاهر الطبيعية والاجتماعية, كما لا تؤمن أيضاً بوجود أي قوى اجتماعيّة قادرة على التشريع لحل قضايا الناس بعيدا عن التشريع الذي وضعه الله وأقره السلف الصالح. وهذه المسألة يقرها خطاب الإخوان وكل القوى السلفية المعاصرة في خطابهم السياسي الذي يكفر كل من يخرج عن فكرة الحاكمية كما جاء في كتاب سيد قطب (معالم في الطريق), أو أدبيات القاعدة وفروعها مثل داعش والنصرة ومن يلتقي معها, وما تقوم به هذه القوى الأصولية اليوم في ثورات الربيع العربي يؤكد ذلك.
إن مسألة الاشتغال على الخطاب الديني لتحقيق مصالح سياسية لقوى اجتماعية أو سياسية محددة, يبقى لها مخاطرها ومحاذيرها إذا ما اشتغلت عليه الأحزاب التقدمية, وذلك كون الدين إذا ما تجذر ايديولوجيا في عقل لإنسان لم يعد من السهل بمكان توجيه عقل وتفكير الإنسان خارج توجهات هذا الدين الذي امتلك عقل ورح المنتمي له, وبخاصة لفكرة الانتماء للمواطنة أو الوطن أو الانتماء القومي, هذه الانتماءات التي تتنافى مع مسألة الانتماء الأممي للدين, وهذا ما أكده الكثير من رجال لدين ومنهم على سبيل المثال لا الحصر الشيخ الإمام “محمد عبده” حيث يقول : ( لأن جرثومة الدين متأهلة في النفوس بالوراثة من أحقاب طويلة, والقلوب مطمئنة إليه… فلا يحتاج القائم بإحياء الأمة (قصده الأمة الإسلامية) إلا إلى نفحة واحدة يسري نفثها في جميع الأرواح… ومن طلب إصلاح أمة شأنها ما ذكرنا بوسيلة سوى هذه, فقد ركب شططاً وجعل النهاية بداية.). (8). ثم يقول أيضاً : ( إن الأجناس قامت على العصبية القومية. لأن أفرادها تلاحموا حفاظاً لحقوقهم من جور حاكم من جنس آخر, أما الوضع فيختلف بين المسلمين. وأضاف : وهذا هو السر في إعراض المسلمين إلى اختلاف أقطارهم عن اعتبار الجنسيات, ورفضهم أي نوع من أنواع العصبيات ما عدا عصبتهم الإسلامية. فإن المتدين بالدين الإسلامي متى رسخ فيه اعتقاده يلهو عن جنسه وشعبه ويلتفت عن الرابطة الخاصة إلى العلاقة العامة.) (9). ثم أن الأحزاب التي تربط بين العروبة والإسلام سيؤدي هذا الربط إلى تجاهل وجود وتاريخ ومكانة مكونات دينية أخرى في مجتمعات هذه الأحزاب ويعتبرها رعية, بل إن التجاهل سينال حتى بنية هذه الأحزاب التنظيمية ذاتها, كالمكون المسيحي وغيره من المكونات الدينية التي لها انتماءاتها الدينية الخاصة بها من جهة, والتقليل من أهمية انتماءاتها القومية والوطنية وإيمانها بدولة القانون واعتبار نفسها جزءاً أساسياً من نسيج الوطن لها حقوق وعليها واجبات, وأن المواطنة بالنسبة لها هي المخرج الوحيد لخروجها من مازق الأقليات أو أهل الذمة الذي يتبناه دعاة المشروع الإسلامي السياسي الرافض للآخر. وما جرى ويجري اليوم تحت مظلة ما سمي بثورات الربيع العربي من ممارسة مشينة من قبل الإسلاميين المتزمتين (السلفيين) بحق الأقليات الدينية يثبت ذلك. لقد كان عبد الرحمن الكواكبي منذ نهاية القرن التاسع عشر أكثر قدرة على فهم مسألة الدين وخطورة اللعب على وتره, وخاصة في المجتمعات المتعددة الديانات والطوائف والمذاهب من فهم بعض هذه الأحزاب التي تدعي القومية والعلمانية المطالبة بالربط ما بين العروبة والإسلام, متناسية مكوّن هام من مكونات المجتمع وهو الأقليات الدينية, حيث يقول عبد الرحمن الكواكبي عن خطورة اللعب على الدين, ومحاولة ربط الدين بالدولة (السياسة) في المجتمع السوري الذي ينتمي إليه: (دعونا يا هؤلاء ندبر شأننا بالفصحى ونتفاهم بالإخاء ونتواسى بالضراء ونتساوى في السراء, دعونا نتدبر حياتنا الدنيا ونجعل الأديان تحكم في الأخرى فقط . دعونا نجتمع على كلمة سواء ألا وهي فلتحيا الأمة, فليحيا الوطن, فلنحيا طلقاء. ).(10). . أما ساطع الحصري المفكر القومي الأصيل الذي يعتبر المنظر الأكثر اهتماماً وعمقاً في الفكر القومي على الساحة العربية في القرن العشرين فيقول حول مسألة ربط العروبة بالإسلام: ( إن الأبحاث التي نشرتها في مؤلفاتي المختلفة, أظهرت إلى العيان وبأجلى المظاهر وأجلها, الدور العظيم المنقطع النظير الذي قام به ظهور الدين الإسلامي في تكوين الأمة العربية وتوسيع نطاق العروبة, وترسيخ كيان بنيانها, وتشديد مقاومتها التجزئة التي عصفت بها, ومع ذلك لم تر تلك الأبحاث مجالاً ولا لزوماً لاعتبار الدين من المقومات الأساسية للقومية العربية.). (11). هذا في الوقت الذي نجد فيه مفكراً إسلامياً مرموقاً في سورية وله حضوته ومكانته في دولة البعث, وهو الشيخ “محمد سعيد رمضان البوطي“, يقف ضد العلمانية بعد مئة عام من مقولة الكواكبي السوري حول هذه العلمانية في كتابه (العقيدة الإسلامية والفكر المعاصر), وهو كتاب مقرر لطلاب الشريعة في جامعة دمشق: حيث يقول البوطي: ( أما الدين الإسلامي فيحوي في أصله إلى جانب مبادئ الاعتقاد, والأحكام التي تضبط شؤون الدولة وتتكفل بإقامة أنظمتها وقوانينها, فحجزه عن ممارسة صلاحياته ومسؤولياته, ففي ذلك تغيير لجوهره وإبطال لكثير من مضمونه… ). (12). ثم يتابع ناعتاً من يؤمنون بالعلمانية ضمناً, ويتقربون إلى الإسلام قولاً, قائلاً: (إن التظاهر بالخضوع له – أي الدين – بعد ذلك كذب عليه ومخادعة له ولمشرعه.) (13), بل هو لم يتوان أمام اعتبار الإسلام بداية ونهاية كل شيء, ويدفعه هذا الاعتقاد إلى نزع الأخلاق عن العرب قبل الإسلام و عن العروبيين المعاصرين كما ذكر في إحدى حلقاته التي تبث على قنوات التلفاز السوري وهي بعنوان, (لا يغير الله بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) حيث يقول: (إن العرب ليس لديهم أخلاق قبل الإسلام, وإن القوميين العرب الذين يقولون بأن العرب كان لديهم أخلاق قبل الإسلام هم كذابون.). هذا في الوقت الذي يُعتبر فيه حزب البعث الذي احتضنه حزبا عروبياً, وهو المنادي بالآمة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة. أما المسألة الأكثر خطورة فتتجلى في تصريح أحد المسؤولين الكبار في وزارة الأوقاف السورية بتاريخ 9/ 5/ 2015 أي في السنة الخامسة من الأزمة التي يمر بها القطر السوري, على فضائية (سما) عندما سأله من قابله قائلاً: (أمام هذا التعدد الكبير في الفصائل الإسلامية التي تقاتل في سورية اليوم, وكل فصيل منها يدعي بانه هو من يمثل الإسلام الصحيح, ترى من يمثل الإسلام الصحيح؟.), فكان جوابه: ( الإسلام الصحيح هو إسلام أهل السنة والجماعة, هو إسلام المذاهب الأربعة, هو إسلام الخلفاء الراشدين, هو الإسلام الذي يعترف بالآخر.). ولا أعرف أنا في الحقيقة كيف يتم الاعتراف بالآخر هنا وهو إسلام أهل السنة والجماعة فقط؟. فالإسلام وفق هذا التصريح شبه الرسمي من مسؤول كبير في وزارة الأوقاف السورية وتحت ظل أجواء مشحونة بالصراع الذي حاول الكثير من أطرافه تحويله إلى صراع طائفي, يتبين لنا التوجه السلفي بفرقته الأشعرية الناجية, وهو الفكر الديني الرسمي للدولة ممثلة في وزارة الأوقاف, فهذا التصريح لا يعترف ضمناً بإسلام المذهب الخامس (الجعفري) الذي ينتمي إليه رئيس الجمهورية نفسه, أو المذهب (الزيدي) الذي القوى السلفية الوهابية بقتل اطفالهم وشيوخهم ونسائهم, وتدمير حياتهم بكل ما فيها, فقط لكونهم شيعة يطالبون بحقوقهم السياسية في دولتهم اليمن وليس في دولة آل سعود أو من تحالف معهم. مثلما ينكر الإسلام على بقية الطوائف الدينية الإسلامية الأخرى في سورية ذاتها من دروز واسماعلية وغيرهم, ويعتبرها مع العلمانيين والمسيحيين وبقية أصحاب الديانات غير الإسلامية من (الآخر) الذي يجب أن يحترم منة وتكرماً.
على العموم إن حزب البعث بالرغم من أنه قد حاول في مؤتمره القومي السادس عام 1963 تجاوز الموقف البراغماتي التوفيقي من الدين, عندما أعلن في منطلقاته النظرية وبخاصة في مقدمتها التي اقرها في هذا المؤتمر, الصيغة العلمية والثورية لأيديولوجيته, بقوله: (إن أيديولوجية حزب البعث تمتاز بسمتين أساسيتين هما العلمية والثورية), واتخذهما نهجاً عقلانياً في سياسته, أي أنه تجاوز الموقف (العفلقي) الذي أعطى العلاقة ما بين العروبة والإسلام تلك الهالة المقدسة التي لا تسمح بتحليل عقلاني نافذ إلى حقائق الأشياء وعلاقاتها كما بينها ساطع الحصري مثلاَ, إلا أن مقدمة المنطلقات النظرية وضعت على الرف ولم يعمل بها, بل حورب أو همش داخل الحزب كل من تبناها فكراً وممارسة من المثقفين البعثيين, وظل الموقف البراغماتي التوفيقي من الدين هو ذاته لم يتغير, منذ أن طرحه (مشيل عفلق) حتى عند كبار القيادات السياسية في حزب البعث كما سنبين ذلك بعد قليل. وهذا الرأي في أبعاده الفكرية والسياسية لا يخرج في الحقيقة عن الاعتبارات ذاتها التي كنا قد اشرنا إليها سابقاً, وهي الموقف من الإخوان واليسار من جهة, ثم محاولة كسب مشروعية السلطة من قبل الجماهير الغفيرة المشبعة أصلاً بالوعي الديني البسيط والساذج من جهة ثانية, هذه الجماهير التي تبين في الأزمة السورية الأخيرة أنها بوادي, والحزب الذي سلم أمر تثقيفها لخطباء ومشايخ المؤسسة الدينية الرسمية في الجوامع وعلى صفحات مجلة (نهج الإسلام) وعلى شاشة قناة (نور الشام) فيما بعد, وعلى الفكر الصوفي الطرقي, كالطريقة الشاذلية والخزنويّة والرافعيّة, وعلى الفكر الوعظي, وحلقات الدعاء والموالد, والأخطر على الفكر السلفي الذي اعتمد على النقل بدل العقل الذي كان يعطى في الجوامع, كفكر ابن حنبل ومدرسته السلفية التكفيرية وأبي حامد الغزالي وأبي حسن الأشعري وكل مشايخ الفكر السلفي في وادي آخر.
إن هذا الموقف التصالحي البراغماتي ما بين السلطة والمؤسسة الدينية اليوم, يعود بنا إلى البنية الفكرية للعصور الوسطى التي اتفقت فيها السلطتان الزمانية ممثلة برجال الدين والمكانية ممثلة بالخليفة, على اقتسام السلطة وقيادة الجماهير. بل لنقل إن هذه العلاقة لم تغب جوهرياً عن تاريخنا السياسي, وإنما تغير شكلها فقط.
نقول: إن الأحزاب القومية العربية (العلمانية) قد اشتغلت على تثبيت سلطتها في الحكم, بالتوازي مع الاشتغال على الدين, وربط العروبة بالإسلام في سياق عملها أكثر من اشتغالها على الفكر القومي ذاته, للأسباب التي أشرنا إليها سابقاً, بل أثبتت عجزها عن تحقيق أية قضية من قضايا مشروعها القومي, هذا العجز الذي غالباً ما يزيد الطين بلة من حيث زيادة عمق التناقضات وحدّة الصراع ذاته بين القوى الوحدوية ذاتها والقوى المناوئة لها عند سعيها لتطبيق أي مشروع قومي, كما هو الحال على سبيل المثال لا الحصر, مشروع الوحدة بين مصر وسورية الذي خلق للدولتين وللأمة العربية أزمات وصراعات وحسابات سياسية من قبل القوى التقدمية والرجعية المناوئة للوحدة معاً لم تزل قائمة حتى الآن, الأمر الذي جعل القوتين تتمسك بورقة الدين أكثر, وذلك للحفاظ على السلطة من قبل القوى الوحدوية التقدمية أومن قبل القوى الرجعة المعادية لها.
وفي ختام عرضنا لهذه المسألة أحب أن أضيف هنا مسألة أخرى حول ربط هذه الأحزاب براغماتيا بين العروبة والإسلام وهي: إن هذه الأحزاب تعني بالعروبة هنا المشروع القومي, والمشروع القومي في جوهره مشروع يعمل على تحقيق الوحدة العربية, وهذا العمل هو في المحصلة عمل سياسي, والسؤال هو: كيف تبرر هذه الأحزاب لنفسها هنا ربط السياسة بالدين, في الوقت الذي تحرم وتحارب الأحزاب السياسية الدينية التي تربط بين السياسة والدين؟!.
إن قراءة أولية لفكر مؤسسي الأحزاب الديمقراطية الثورية ذات التوجه القومي, تبين لنا وبكل وضوح ذاك التخبط المعرفي والمنهجي معاً بالنسبة لخطابهم القومي وابتعادهم عن الروح العقلانية النقدية في التعامل معه, فهذا “مشيل عفلق” أحد مؤسسي حزب البعث العربي الاشتراكي وأمينه العام لفترة زمنية طويلة, يكتب في كتابه ” في سبيل البعث” حول أهمية الدين الإسلامي بالنسبة للعروبة, واتكائه في الوقت نفسه على العلمانية التي حدد طبيعتها وبين دلالاتها الفكرية والسياسية والحقوقية بالنسبة للبعث بقوله: ( إن هذه الدولة (التي يعمل لها البعث), هي نقيض الإلحاد والفساد وكل ما هو سلبي وهدام, وعلمانية الدولة بهذا المعني ليست إلا إنقاذا للروح من شوائب الضغط والقسر…. وما دام الدين منبعاً فياضاً للروح, فالعلمانية التي نطلبها للدولة هي التي بتحريرها الدين من ظروف السياسة…وملابساتها, تسمح بأن ينطلق في مجاله الحر في حياة الأفراد والمجتمع, وبأن تبعث فيه روحه العميقة التي هي شرط من شروط بعث الأمة). (14). إن هذا الموقف البراغماتي من الدين والعلمانية معاً, ففي الوقت الذي يتمسك فيه بالدين ويعتبره حجر الزاوية وهو مصدر الإلهام القومي والروحي لمعتنقي البعث, نجده في تبنيه للعلمانية يحاول تحييد الدين من جهة عن السياسة على اعتبارها مصدر التلوث والفساد كما أشار, والتي بفسادها ستلوث الدين الفياض للروح, وبالتالي نجده يؤكد في الاتجاه الآخر أو من جهة أخرى على ضرورة التمسك بهذا الدين الذي لا يُعرف عفلق في الحقيقة ما هو الجوهر أو البعد التشريعي أو الفقهي فيه الذي علينا أن نتمسك به لتحقيق رسالتنا الخالدة, التي تعني بناء حاضرنا بناءً سليماً يقوم على قيم ماضينا والتي يعتبر الدين أحد هذه القيم.
إن هذا الموقف الضبابي المشوش منهجاً وفكرياً من الدين, ظل يتبناه حزب البعث فيما بعد في العراق فكراً وممارسة عندما غادر مشيل إليه, أو في سورية عمليا حتى بعد سقوط مشيل عفلق, وهذا ما عبر عنه عبد الحليم خدام الذي أشار في كتابه اليتيم بقوله: (إذا كانت بعض القوى السياسية العربية قد استخدمت الدين لأغراض سياسية, وكذلك بعض الدول العربية, فإن ما يعاب على القوى القومية ردة فعلها التي أظهرتها وكأن صراعها ضد الدين وليس ضد الذين أساؤوا استخدامه, وتجاهلت أن الأمة العربية جسد روحها الدين الإسلامي كما عبر عن ذلك مشيل عفلق مؤسس حزب البعث. ).(15). والسؤال هنا: هل عفلق في طرحه ومن يؤيده من رجالات البعث هذا يعتقدون بأن الإسلام بكل ممثليه سيقبلون بهذا الموقف الذي تمثله علمانية البعث من الدين كما يراها عفلق والبعث؟, وهم – أي الإسلاميون – الذين يعتبرون ما يقره الإسلام والشريعة الإسلامية أمراً مقدسا صالحاً لكل زمان ومكان؟. أو بتعبير آخر, هل ستلتزم النصوص (الدستورية والقانونية) الوضعية بصيغتها العلمانية كما يراها البعث في دستوره ومنطلقاته النظرية بالتشريع القرآني المفصل والشامل لكل نواحي الحياة كما يدعي الكثير من الإسلام السياسي؟, أم ستأتي بديلاً عنه؟. وهل ستبقى هذه العلمانية علمانية إذا التزمت بهذا التشريع الإسلامي؟, يبدو إن هذه القضية لم تشغل عفلق ومن أخذ أو يأخذ بموقفه تجاه الدين كثيراً, بقدر ما شغلته قضية الربط الميكانيكي بين العروبة بالإسلام, حيث راح يطالب المسيحيين ويعمل على إقناعهم بقبول الإسلام أكثر مما يهمه قبول المسلمين بالعلمانية. حيث يكتب في هذا الاتجاه: ( ولكننا وضعنا الأمور في نصابها عندما وضعنا الإسلام كثورة أخلاقية وفكرية واجتماعية حاسمة في تاريخ البشر, وضعناها في صلب القومية العربية. بهذا المعنى لا يوجد عربي غير مسلم, هذا إذا كان العربي صادق العروبة, وإذا كان متجرداً من الأهواء والمصالح الذاتية. فالعروبة تعني الإسلام بهذا المعنى الرفيع…. إن جميع المسيحيين في هذا الشرق العربي إذا لم يقبلوا عن طوع وإرادة واقتناع ومحبة بأن يكونوا بمعنى من المعاني مسلمين, فإنهم لا يكونوا أمناء لفكرهم ووطنهم وعروبتهم) (16).. من هذا المنطلق جاء تخليه عن مسيحتيه وإعلانه الإسلام ديناً له, وهو بتخليه عن دينه قدم إهانة لكل الأقليات الدينه في الوطن العربي من جهة, وأعلن عنصرية من يقبل بهذه الفكرة في صفوف البعث الرافضين لهذه الأقليات الدينية من جهة ثانية . إن القومية عند عفلق في المحصلة هي الوجه الآخر للدين, وهي من منبع واحد القلب والروح, وليس العقل و تناقض وصراع مصالح القوى الطبقية, حيث يقول: ( إن الدين جزء من القومية التي تنبع مثل الدين من معين القلب, وتصدر عن إرادة الله.). كما كتب أيضاً: (على الأمة العربية أن ترتقي بما يساويها بماضيها المجيد.) (17), أي ضرورة عودتها إلى قيم الماضي الإسلامية, أي التمسك بأهل السلف, وهو هنا لا يختلف برأيي عن القوى السلفية في دعوتها بالعودة إلى “النبع الصافي” والتمسك بما قاله الإسلاف الذين لم يتركوا شيئاً للأخلاف, لتحقيق تقدم ونهضة هذه الأمة.
هكذا نرى كيف ينظر عفلق إلى المسألة القومية نظرة سلفية لا تختلف من حيث الجوهر عن الموقف السلفي الديني للدين, فهي إضافة لكونها (حب من القلب), فهي عنده إيمان, ومصدرها الله كالدين تماماً.
من هنا قام البعث في سورية بعد حوادث الثمانينيات في بداية العقد الثاني من القرن الحالي ببناء عشرات آلاف الجوامع ومعاهد تحفيظ القرآن, وأهل عشرات الآلاف من الدعاة والداعيات الذين راحوا بعلم السلطة أو بدونها يدعون الناس للصلاة والمرأة للحجاب, ويبشرون بالفكر السلفي وتعليمه للشباب, في الوقت الذي أصبح فيه الشيخ البوطي وتياره السلفي الأشعري (الحنبلي), وشيوخ الطرق الصوفية الخزنوية والشاذلية وغيرهما هم أسياد الساحة الثقافية, بينما حوصر الفكر العقلاني وحورب المثقفون والمفكرون التنويريون. هذا إذا ما أضفنا قضية أخرى أكثر خطورة على الخطاب القومي بالذات راحت تظهر في حزب البعث السوري, وبخاصة في السنوات الأخيرة قبل الأزمة, حيث طرحت مسألة إعادة النظر بفكر حزب البعث ومنطلقاته النظرية, فبالتوازي مع تطبيق مشروع اقتصاد (السوق الاجتماعي) في الدولة السورية, كان شعار (فكر حر وطن يتسع للجميع) يرفع بالخط العريض على يافطات مؤتمرات الشعب والفروع الحزبية. وهذا مؤشر واضح على إقصاء البعد الطبقي والفكري العقلاني النقدي الذي تبنته المنطلقات النظرية لحزب البعث, وهذا ما تم الاشتغال عليه في الندوة التي اقامتها القيادة القطرية لحزب البعث في سورية المتعلقة بتطوير فكر الحزب عام 2011, أي قبل قيام الأزمة بشهر أو أكثر تقريبا, حيث عبر عن هذا التوجه الجديد السيد الأمين القطري المساعد (سعيد بخيتان) عند رده على الورقة التي تقدم بها أحد الرفاق المشاركين في هذه الندوة, كونه بقي متمسكاً بفكر الحزب الطبقي الذي تقره المنطلقات النظرية بقوله: (هناك بعض الرفاق يتحدثون عن قضية الصراع الطبقي وما يشبه ذلك, ليس هناك صراع طبقي في الوطن العربي كله).
أما في العراق فعلينا أن لا نستغرب كيف قام نظام البعث فيه بحرق كل الكتب التراثية التي تعوّل على العقل في علم أصول الدين التي وقعت تحت يدية. إضافة إلى محاربة كل القوى العقلانية التنويرية في العراق, ولا نستغرب أيضا كيف يتحول قسم من البعثين إلى تيار سلفي (النقشبندية) بعد سقوط نظام البعث في العراق, وهو تيار ارتبط بالقاعدة في الآونة الأخيرة وشكل القسم الأعظم من هيكل داعش.
أما عبد الناصر وجمهوريته العربية المتحدة, فله موقف من الدين لا يختلف من حيث الجوهر عن موقف عفلق حيث يقول : (إذا كانت الماركسية مؤلفة من عشرين نقطة, فنحن نتفق معها في ثمان عشرة نقطة ونختلف في نقطتين هما الدين والصراع الطبقي.). فموقف عبد الناصر من الدين لا يختلف في حقيقة أمره عن موقف البعث من حيث ربطه ما بين العروبة والإسلام, رغم صراعه المرير مع الإخوان. ولكي يتجاوز عبد الناصر عقدة الإخوان التي كان ينتمي إلى تنظيمها قبل الثورة أو يتعاطف معه, قام بتشكيل موقف إسلامي إصلاحي سخر له بعض المنشقين عن الإخوان ووفر له سبل النشر عبر نشرة (الاشتراكي) الصادرة عن الحزب الاشتراكي الحاكم, لترويج هذا الموقف عند عند الشعب المصري المتدين أصلاً, وعند الأخوة من التيار الناصري الأكثر حضوراً, الذين آمنوا بربط العروبة والإسلام.
لقد كان هذا التوجه الديني يعكس تصوراً ذا جوانب مشتركة مع رؤية عبد الناصر للدين, واعتباره جزءاً من عملية التحول الاجتماعي نحو التنمية. بيد أن هذا الاتجاه في الحقيقة لم يستطع رفع التناقض البنائي والمعرفي بين العروبة والإسلام , بل ظل يعبر عن نهج إصلاحي براغماتي تلفيقي يحاول تجديد النص الديني الثقافي ليس انطلاقاً من النص الديني ذاته, وإنما من ثقافة مضادة للسلفية الإخوانية (20). والملفت للنظر أن الشيخ (المتولي شعراوي) ظل يصول ويجول على المستوى الإعلامي في مصر في نشر الفكر الديني السلفي طوال العهد الناصري والساداتي حتى وفاته, وهو ذاته من صلى ركعتين لله تعالى شكراً له, كون النظام الناصري (الكافر) خسر حرب حزيران عام 1967أمام الكيان الصهيوني.!.
أما في ليبيا القذافي, فنجد صورة دينية أخرى في هذا النظام ذات توجه أصولي متطرف, حيث يعلن القذافي بأن (القرآن) هو المصدر الوحيد للتشريع, مع إهمال السنة والآراء الفقهية الإسلامية المعترف بها تاريخيا, وذلك لاعتبار القذافي أن المورث السني النبوي قد شابه الكثير من الوضع ولا يمكن الاطمئنان إليه, وبالتالي لا بد من اعتبار القرآن فقط مصدراً أساسياً للتشريع. لذلك فقد اعتبر القذافي أن الشعب خليفة الله على الأرض, مستنكراً بذلك وجود البرلمان أو النظام النيابي والأحزاب والمنظمات, معتبراً أن الديمقراطية المباشرة وما تتضمنه من آلية عمل ممثلة باللجان الشعبية ومؤتمراتها الدورية التي تشرع وفقاً لمقاصد الدين الإسلامي وعدالته, هو ما يهم مصالح الناس, في الوقت الذي تختار فيه مسؤوليها وتحاسبهم وتقصيهم عند الضرورة, عدا (القائد الملهم – القذافي) كونه الحاكم بأمر الله, وهو فوق القانون والشعب والدستور. وأخيراً, فإن وعي القذافي ومشروع النظرية العالمية الثالثة التي نظر لها, يحملا صبغة إسلامية بلبوس اشتراكي, وما حرصه على وصف أفكاره وتصوراته بأنها إسلامية, إلا ليضمن شرعية طموحه للزعامة, وتعبئة الجماهير الشعبية العريضة وراءه, وهي الجماهير ذاتها التي قتلته ومثلت به في ثورتها الربيعية, التي تبين أن محاولة القذافي إيهامها – أي الجماهير – بأنه قريب جداً من وعيها الإسلامي الذي راح يغذيه, في الوقت الذي يعمل فيه على محاربة الفكر التقدمي والعقلاني, قد أعطت أوكلها ببروز أشد التنظيمات الأصولية السلفية الإسلامية المتشددة في ليبيا, لتلتقي مع أصولية وسلفية التيارات الإسلامية في سوريا والعراق والعالم تحت مظلت ما سمي ثورات الربيع العربي, ولتمارس هذه القوى مجتمعة قهرها التاريخي على أنظمة وشعب سورية والعراق وليبيا ومصر وتونس بإسم الدين.
ويظل السؤال المشروع الذي يطرح نفسه في هذا الاتجاه هو: إذا كانت القومية في سياقها العام (أيديولوجيا) أو مشروعاً سياسياً واجتماعياً وضعياً, يتجسد في وعي ونفسية وسلوكية المرء عبر التربية والثقافة, بهدف تحقيق الوحدة العربية وتنمية وتقدم العرب , فلماذا نربط هذا المشروع بمشروع آخر, أو أيديولوجيا أخرى يراها الكثير من القوى السلفية الإسلامية ذات طابع مطلق مقدس متعالي ترفض أي مشروع أو عقيدة أخرى وضعية ومنها المشروع القومي, معتبرة إياه كفراً وإلحاداً من جهة, ومنافياً للدين لجهة دعوته إلى جماعة محددة, وهم العرب, في الوقت الذي جاء الدين برأي هذه القوى الإسلامية دعوة عالمية من جهة ثانية؟… نقول: لماذا هذا الربط بين جوهر هذين المشروعين لدى أحزابنا القومية؟, مع تأكيدنا في طبيعة الحال على أهمية الدين بالنسبة لتاريخ العرب, وتاريخ الشعوب عموماً ويجب أن يستفاد من طبيعته الإنسانية السمحة, ومن مواقفه الإيجابية تجاه عدالة الإنسان وحريته ومساواته, دون العمل على نقله كتراث وعقيدة مقدسة بحذافيره إلى الحاضر, واعتبار أن الأسلاف لم يتركوا شيئاً للأخلاف ؟.
2023-07-25