الآثار الاقتصادية والسياسية لاستقبال نحو سبعة آلاف من عناصر تنظيم «داعش» في السجون الإصلاحية العراقية!
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
وافق العراق، في سياق ترتيبات أمنية إقليمية ودولية، على استقبال ما يقارب سبعة آلاف معتقل من عناصر تنظيم «داعش» كانوا محتجزين في شمال شرق سوريا. ورغم أن القرار قُدِّم بوصفه إجراءً سياديًا، فإن تداعياته تتجاوز البعد الأمني لتطال الاقتصاد، السياسة، وصورة العراق دوليًا.
اقتصاديًا، تُظهر دراسات متخصصة في إدارة السجون بدول النزاعات أن تكلفة احتجاز السجين المتهم بقضايا إرهاب تتراوح بين 200 و250 دولارًا يوميًا، نظرًا لمتطلبات الحراسة المشددة والرعاية الصحية والبنية الأمنية الخاصة. وباحتساب متوسط 250 دولارًا، فإن الكلفة السنوية لاحتجاز 7,000 سجين تقارب 638 مليون دولار. هذا الرقم يشكل عبئًا ثقيلًا على موازنة دولة لا يزال اقتصادها ريعيًا، ويأتي على حساب قطاعات خدمية وتنموية أكثر إلحاحًا.
ولا يتوقف العبء عند الكلفة المباشرة. فالنظام الإصلاحي العراقي يضم نحو 65 ألف نزيل موزعين على 31 سجنًا، مع نسب اكتظاظ تتجاوز 180–200% من الطاقة الاستيعابية. إضافة آلاف السجناء من فئة عالية الخطورة تعني تفاقم الاكتظاظ، تسريع اهتراء البنية التحتية، وارتفاع مخاطر التفلت وإعادة إنتاج التطرف داخل السجون.
سياسيًا، تحوّل الملف إلى قضية خلافية داخلية. فالمخاوف الشعبية لا تتعلق بالاحتجاز بحد ذاته، بل بإمكانية تحوّل السجون إلى بؤر تنظيمية، أو وقوع حوادث هروب، أو استثمار الملف في الصراع السياسي. كما يواجه العراق ضغوطًا حقوقية متزايدة بشأن ظروف الاحتجاز وضمانات المحاكمة العادلة، ما ينعكس سلبًا على صورة العراق في المحافل الدولية.
الأخطر من ذلك هو اختلال مبدأ تقاسم الأعباء. فعدد غير قليل من هؤلاء المعتقلين يحملون جنسيات أجنبية، ومع ذلك ترفض دولهم استعادة رعاياها، ما يضع العراق عمليًا في موقع تحمّل عبء دولي لا يتناسب مع مسؤوليته القانونية ولا مع قدراته الاقتصادية.
إن معالجة هذا الملف تتطلب مسارًا مختلفًا، يقوم على تدويل المسؤولية لا تدويل السجون، عبر إلزام الدول الأصلية باستعادة رعاياها أو تمويل احتجازهم، وإنشاء صندوق دولي لدعم العراق، إلى جانب إصلاح فلسفة السجون بالانتقال من منطق العقاب إلى تفكيك التطرف، وربط الأمن بالتنمية في المناطق التي كانت حاضنة للتنظيم.
لقد دفع العراق ثمن الإرهاب دمًا واستقرارًا واقتصادًا. ولا يجوز، بعد كل ذلك، أن يتحول إلى سجنٍ للعالم أو ممولٍ صامت لإخفاقات دولية في إدارة أحد أخطر ملفات ما بعد «داعش».
2026-01-25