اعلام الفكر العربي في الأندلس ابن حزم ( الحلقة – 4)!
علي رهيف الربيعي
فقد ترك لنا ابا محمد علي بن حزم، تراثنا تاريخيا جليلا ، يمتاز بتنوعه وقوته، وروعته. فنحن نستطيع أن نعتبر مصنفه الجامع ” الفصل في الملل والاهواء والنحل” تاريخا مقارنا للأديان والمذاهب الدينية. ولم تخل معظم رسائله ومؤلفاته الفلسفية من الإشارات التاريخية ذات المغزى. ونستطيع ان نخص بالذكر كتابه ” طوق الحمامة” فإنه يشير فيه غير موطن الى بعض الحوادث التاريخية المعاصرة، والى بعض حوادث حياته ذاتها، ومنها نعرف الكثير عن حياة الفيلسوف، وعن خطط قرطبة المعاصرة. ثم إن ابن حزم الى جانب كله يقدم إلينا بعض المصنفات التاريخية الخاصة.
وأهم هذه كتاب ” جوامع السيرة ” وهو عرض سريع للسيرة النبوية وذكر الصحابة. وكتاب ” نقط العروس”، وهو يحتوي على مجموعة من النوادر والمقارنات والنظائر التاريخية المدهشة ، التي يقتضي جمعها وتنسيقها مقدرة فائقة ومعرفة شاملة لمختلف التواريخ والسير.
ولقد شغل عصر الطوائف من حياة ابن حزم نحو ثمانين عاما، وشغل حياة ابن حزم منذ فتوته إلى وفاته.
وكان عصر تفكك وانحلال سياسي واجتماعي شامل، وذلك بالرغم مما كان يبدو في بعض نواحيه من جوانب براقة.
كانت دول الطوائف أقرب منها الى وحدات الاقطاع ، والى عصبة الأسرة القوية ذات العصبية، ومن ثم فإنه لم تكن بها حكومات منظمة بالمعنى الصحيح، تكون مهمتها ان تعمل لخير الشعب ورخائه، وصون الأمن والنظام، والذود عن الوطن والدين، وإنما كانت بها أسر او زعامات تعمل قبل كل شيء لمصلحتها الخاصة، وتنمية ثروتها، وتدعيم سلطانها وبذخها. وقد انتهوا في ذلك الى درك يستحق أن يوصف باقسى النعوت.
فقد كانوا طغاة قساة على رعيتهم، يسمونهم الخسف ، ويثقلون كواهلهم بالقروض والمغارم لملء خزائنهم وتحقيق ترفهم وبذخهم.
وقد كانت سياستهم الداخلية هذه مثل سياستهم الخارجية، موضع السخط من شعوبهم، والطعن المر من معاصريهم من الكتاب والمفكرين.
ذلك هو المجتمع الذي عاش في ظله ابن حزم. وقد بدأ ابن حزم نظراته نحو مجتمع الطوائف في عصر مبكر، وبدأها بتوجيه الملاحظات الساخرة نحو بعض الأحداث. ومما ورد في كتابه ” نقط العروس” ومن ذلك تعليقه على ما حدث من قيام اربع خلافات بالأندلس في وقت واحد.
وقد وردت هذه الأحكام بالأخص في موضوعين من رسائل ابن حزم، الأول في مستهل رسالته في الرد على ابن النغريلي او ابن نغرالة وزير غرناطة اليهودي. وإليك ما يقوله الفيلسوف في هذا الموطن :
” اللهم إنا نشكو إليك تشاغل اهل الممالك من اهل ملتنا بدنياهم عن إقامة دينهم، وبعمارة قصور يتركونها عما قريب عن عمارة شريعتهم اللآزمة لهم في معادهم ودار قرارهم، وبجمع أموال ربما كانت سببا الى انقراض أعمارهم، وعونا لأعدائم عليهم، عن حياطة ملتهم التي بها عزوا في عاجلتهم، وبها يرجون الفوز في آجلتهم، حتى استشرف لذلك اهل القلة والذمة، وانطلقت ألسنة اهل الكفر والشرك، بما لو حقق النظر أرباب الدنيا، لاهتموا بذلك ضعف همنا، لأنهم مشاركون لنا فيما يلزم الجميع من الامتعاض للديانة الزهراء، والحمية للملة الغراء. ثم هم بعد ذلك متردون بما يؤول اليه إهمال هذه الحال، من فساد سياستهم، والقدح في رياستهم، فللاسباب اسباب ، وللمداخل الى البلاء أبواب ، والله اعلم بالصواب “.
ومن الواضح أن ابن حزم يقصد بكلامه أمراء الطوائف، وهو هنا يركز اهتمامه حول رمي هؤلاء الأمراء باهمال حياطة الدين والذود عنه، لمناسبة ما حدث من قيام اسماعيل بن نغرالة اليهودي بتاليف رسالة في الإسلام.
وقد توفى ابن حزم في سنة ٤٥٦ هج ( ١٠٦٤ م)، وممالك الطوائف في ابان قوتها وازدهارها، وقبل ان تنحدر الى ما انحدرت اليه فيما بعد من الانحلال المعنوي الشامل. بل لقد كان كل ما انتهت اليه تلك ” الفتنة” القومية _ فتنة الطوائف على حد قول ابن حزم من سقوط طليطلة حصن الأندلس الشمالي، وانخذال ممالك الطوائف، ووقوعها جميعا تحت رحمة ملك قشتالة، كان ذلك كله مما يؤيد أقوال ابن حزم وتنبؤاته. ولو شهد الفيلسوف هذه المرحلة الأخيرة من انحلال ممالك الطوائف، لكان بالا ريب في نظراته واحكامه، أشد قسوة وعنفا.
لقد كان ابن حزم مؤرخا عظيما، كما كان فيلسوف عظيما، وإماما من أعظم ائمة التفكير الإسلامي