المجتمع العراقي بين العجز المكتسب والإصلاح الذاتي؛
دراسة في الرأسمال الأجتماعي بعد 2003..!!
غيث العبيدي*
▪️ المقدمة :
تهدف هذه الدراسة إلى تجاوز النموذج التفسيري السائد الذي يحصر أزمة المجتمع العراقي في فشل الدولة و التدخل الخارجي، وتطرح نموذجاً بديلاً يرتكز على مفهوم ”الإصلاح الذاتي المجتمعي“ وتجادل الدراسة بأن المجتمع العراقي يمتلك بنى تقليدية وهي كل من (العشيرة، المسجد، الأسرة) يمكن تحويلها إلى روافع أصلاحية بشرط إن تضبط وظيفتها الأجتماعية.
فأنحصر الخطاب العراقي بعد 2003 بين أتجاهين، إتجاه يرى الدولة هي الفاعل الوحيد للإصلاح، وإتجاه أخر يرى الخارج هو المسبب الوحيد للفساد،
وكلا الاتجاهين أدى إلى حالة من “العجز المكتسب” وأنتشار مقولة ”شعليه آني“ كتعبير عن إنسحاب الفرد من المجال الأجتماعي العام. ونطرح هنا سؤالاً مركزياً مهماً..
ماذا يمكن أن يفعله المجتمع بذاته دون إنتظار الدولة؟
▪️ محاور التحليل.
1️⃣ محور الفساد التأسيسي.
فساد التعليم في العراق ليس فساداً قطاعياً، بل هو ”أم الفسادات” فوفقاً لنظرية الدائرة المغلقة للفساد، فإن بيع الدرجات وتزوير الشهادات لا ينتج طالب فاشل فقط، بل ينتج طبيب فاسدا وقاضي مرتشي ومهندس غشاش، والمعالجة المجتمعية هنا لا تكون بقانون وزاري، بل بإعادة الإعتبار الإجتماعي للمعلم. والمجتمعات التي فقدت إحترام المعلم، أضطرت لبناء المزيد من السجون.
2️⃣ محور العشيرة بين الحماية والإعاقة.
تحولت وظيفة العشيرة من نظام حماية إجتماعية في الريف العراقي إلى نظام حماية للمجرم عبر آلية “الفصل“ وبالفقه العشائري الأصيل ”السنينة لا تحمي الجاني“ فلو أصدرت العشائر ميثاق شرف يعلن أن تاجر المخدرات والمبتز الإلكتروني لا يُحمى عشائرياً، فإنها ستساهم في خفض الجريمة بنسبة تفوق قدرة الأجهزة الأمنية، وهذا ما يسمى بالأنضباط الإجتماعي غير الرسمي.
3️⃣ محور المرأة والخطاب النسوي .
ويجب علينا هنا التمييز بين مستويين..
أ. الواقع الموضوعي للمرأة العراقية لكونها تعاني من عنف بنيوي حقيقي مثل الحرمان من الميراث، والزواج القسري والابتزاز الإلكتروني وحق التعليم والأمان…الخ. وهذا بحد ذاته عنف يحتاج لمعالجة مجتمعية ودينية قبل أن تكون قانونية.
ب. الخطاب النسوي المستورد، وهو خطاب قائم على صراع الهويات (الرجل عدو تاريخي للمرأة) بدلاً من تحالف الهويات، وهذا الخطاب لا يجد له حاضنة في البنية الريفية والدينية العراقية، ويؤدي لردة فعل عكسية محافظة. علماً بأن أنتقال الأفكار من المجتمعات الغربية الفردانية جداً، إلى المجتمعات العشائرية جداً، مثل المجتمع البصري، تكون نتائجها عكسية وتتحول إلى حرب ضارية بين (هو وهي) على مواقع التواصل الإجتماعي.
الحل المقترح هو نموذج ”النسوية التوافقية العراقية“ المستندة لقدوات محلية: المرأة العراقية كفاعل اقتصادي منتج من المنزل، وكفاعل تربوي يعيد إنتاج قيم احترام المرأة لدى الذكور. فالأم التي تربي ابنها على احترام أخته، تمارس إصلاحاً نسوياً أعمق من كل المنظمات النسوية.
4️⃣ محور أزمة القدوة ومفهوم والإنسحاب الأخلاقي.
يعلل عالماء النفس فشل المجتمعات بـالانسحاب الأخلاقي, وفقدان القدوة المصغرة ک صاحب محل لا يغش، موظف لا يرتشي، شاب يرفض المخدرات علناً. هذه القدوات الصغيرة هي ما يسمى في علم الإجتماع الأقلية الفاعلة.
▪️الخاتمة :
إن نظرية المؤامرة الخارجية سواء كانت قديمة أو نظرية حديثة، وإن كانت تحتوي على جزء من الحقيقة، إلا أنها تحولت إلى أداة لتبرير العجز الداخلي. والمجتمع العراقي ليس ضحية مطلقة، بل هو فاعل يمتلك من رأس المال الإجتماعي ما يؤهله للنهوض الذاتي. والإصلاح الإجتماعي لا يبدأ من المنطقة الخضراء، بل يبدأ من قرار فردي في ناحية صغيرة في أقصى جنوب العراق، وأن يقول الفرد أنا سأصلح مكاني الصغير حتى وإن فسد الجميع.
وبكيف الله.
ـ كاتب عراقي مستقل.
2026-10-19