[ارجوكم ضعوا انتم عنوانًا للمقال]
“عماد فايز مغنية”
![[ارجوكم ضعوا انتم عنوانًا للمقال]!رنا علوان 1 rana](https://www.sahat-altahreer.com/wp-content/uploads/2023/05/rana-150x150.jpg)
رنا علوان
من الصعب جدًا الغوص في أغوار شخصية هذا القائد العظيم ، كونه كان ولا يزال أحد أهم أسرار المقاومة وأسطورتها وصانع بطولاتها والانتصارات ، إلا أننا نكتشف عامًا بعد عام ، بعضًا من جوانب شخصيته التي كانت تجمع بين التناقضات فهو قائد معروف (بالحاج رضوان)، القوي، القاسي ، الصلب ، الشجاع الجريء ، العنيد ، العبوس ، الجدّي ، الكتوم ، وفي نفس الوقت ، الجندي المجهول ، الأب العطوف ، الحنون ، الرحيم ، المتواضع ، اللطيف ، اللين، المرح ، والضحوك
لم يعرف التاريخ رجلاً شغل بال الأمريكيين والصهاينة عقدين كاملين من الزمن مثل “عماد مغنية” فالشهيد كان في مرمى أجهزة المخابرات الصهيونية والأمريكية منذ صعود نجمه في العمل السري ، وكان شبحه يلّوح خلف عمليات كثيرة ضد الأمريكيين والغربيين المحتلين الذي تمركزوا في صورة قوات متعددة الجنسيات بعد الإجتياح الإسرائيلي للبنان ، فكان انفجار كفرسوسة فصلاً منطقيًا يختم محاولات كثيرة لاغتياله
لقّبه الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله “قائد الانتصارين”، وقال يوم تأبينه: “حقّ الحاج عماد مغنية الشهيد على هذه الأمة أن تعرفه من [ أجلها لا من أجله] ، وحقّه على الأمة أن تنصفه من [أجلها لا من أجله ] وحقّه على الأمة أن تستلهم روحه ودرسه وجهاده من [ أجلها لا من أجله]”
وتوجّه “للعدو الإسرائيلي” بالقول: ” في أي حرب مُقبلة لن ينتظركم عماد مغنية واحد ، ولا عدّة آلاف من المقاتلين ، لقد ترك لكم عماد مغنية خلفه عشرات الآلاف من المقاتلين المدرَّبين المجهَّزين الحاضرين للشهادة”
اذًا ، لنبدأ رحلتنا في التعرف على هذه الشخصية ، من مرحلة طفولته ، هذه المرحلة التي عاشها الفتى الثائر والمُجاهد ، لم تَدُر أحداثها في بيئة ميسورة ، ولا في ملاعب كرة القدم والمساحات الخضراء الواسعة ، وإنما في دائرة الفقر المُدقَع في منطقة الشياح ، هناك حيث تعرّف على قضيّة فلسطين ، مُعايشًا مُعاناة اللاجئين الذين هجّرهم العدو من أرضهم
انجذب الفتى الشجاع للبزّات العسكريّة والبنادق التي حملها الفدائيون الفلسطينيّون ، فأراد أن يكون واحدًا منهم ، وأن يُقدّم شيئًا من أجل هذه القضية ، ولذلك جالَ على مكاتب التنظيمات القائمة في منطقة الشياح ، فتعرّف على برامجها السياسيّة وأفكارها وتوجهاتها ، قدر مستطاع فتى صغير السن ، وبسبب التزامه الديني ، لم ينجذب إلى أغلبها ، رغم اقترابه من بعضها ومشاركته في عمل تنظيمي لفترات وجيزة في واحدة منها على الأقل
في الثانية عشر من عمره ، انضم العماد إلى حركة “فتح” الفلسطينيّة ، والسبب كما قال لاحقًا هو “من أجل فلسطين ، وتحريرها ” أما اختياره للحركة لم يكن عن عبث ، حيث تميّزت «فتح» في ذلك الحين ، بعدم اتباعها فكرًا أيديولوجيًّا تسعى لفرضه على عناصرها ، بل الشيء الوحيد الذي كان مطلوبًا منهم هو [قتال “العدو الإسرائيلي”] ، وهذا ما أراده مغنيّة تحديدًا
وقد شارك ، وهو في ذلك السن (12 عامًا) في أوّل دورة عسكريّة له في معسكر لـ”فتح” في منطقة الدامور ( تدرّب على تفكيك وتركيب العبوات ونصب الكمائن)
بعد هذه الدورة ، جذبه العمل الأمني ، الذي سخّره للعمل العسكري
قد يستغرب البعض كيف لإبن 12 عامًا أن يتحلّى بوعيّ سياسي مُلفت ، ومن باب تبديد الدهشة ، نستذكر [ عملية تفجير مقر الحاكم العسكري الإسرائيلي في صور (11/11/1982) والتي نفّذها “فاتح عهد الاستشهاديين” الشهيد أحمد قصير ، وهي أقسى ضربة ــ لجهة عدد الجنود القتلى والجرحى ] اما من خطط لها هو ابن 20 عامًا آنذاك ( الحاج عماد مغنية) ، وعندما طلب الشهيد ياسر عرفات مقابلة العماد في عمر 18 عشر ، ظن ابو عمار انه سيلتقي برجل ثلاثيني ، الا انه تفاجئ به ، وهذا ما خلق عنده اعجاب فائق بشخصية العماد ، واصر ان يجعله مُقربًا منه ، وبعد ان سافر الشهيد ياسر عرفات الى تونس واستقر فيها ، زاره العماد في العام ١٩٨٨، فأهداه “أبو عمار” ، ( جهاز راديو )
وقد سُرّ به مغنية كثيرًا ، وإعتاد الاستماع عليه وتحديدًا ، إذاعة “مونتي كارلو”، وكان يعتبره من الأغراض العزيزة عليه ، وينقله معه إلى المراكز الحزبية التي كان يسكن فيها ، (ولا تزال عائلة مغنية تحتفظ بـ”راديو أبو عمار” حتى يومنا هذا) ، وفي حرب تموز ٢٠٠٦ ، حرصت زوجة الشهيد مغنية على إخراج الراديو معها من آخر مسكن لها ، لأنه من بين الأغراض العزيزة على قلب الحاج رضوان
[لقد فرضت البيئة التي نشأ فيها عماد مغنيّة وأترابه على هؤلاء الفتية أن يصبحوا رجالاً في عمر مُبكر ، فمشاهدة الظلم ورفضه ، تثقل الوعي]
نأتي الى “يوم القدس العالمي” (يوم الجمعة الأخير في شهر رمضان) هذا اليوم كان فعلاً مقدس عند العماد ، اذ لم يكن يومًا عاديًا بالنسبة إليه ، فلقد كان “حاج فلسطين” يُصر على مشاركة عائلته في ذلك النهار تحديدًا
كما يروي لنا احد الذين عملوا معه ، كيف كان يتابع أدق التفاصيل في ذلك اليوم منذ فجره حتى مغيبه ، ولا يخفى عليه شيء من التفاصيل ، بهدف نجاحه على اعلى مستوى ، بدءًا بطريقة توزيع كاميرات البث ، إلى ملابس المشاركين في العرض العسكري ، إلى الشعارات التي سيحملها المشاركون ، ومضمون الكتيّبات التي توزَّع في المناسبة ، وصولاً إلى طريقة أداء القسَم في نهاية الحفل
ويُذكر ان الحاج عماد مغنية وشقيقه جهاد كانوا من أوائل المشاركين في أول احتفال بـ”يوم القدس العالمي” دعا إليه الإمام الخميني عام 1979 ، وأُقيم في لبنان عامذاك في منطقة الأوزاعي
كما ان من عايش الحاج عماد على مدى سنوات ، يتحدّث عن هواية فنية تطوّرت مع مراحل عمره..
فهو اندفع في بداية “مشواره” السياسي الى متابعة المسرحيات التي تتناول الواقع اللبناني المأزوم ، وعندما انطلق في مسيرة النضال (قبل توليه مسؤولية قيادية في حزب الله)، التقى الفنان زياد الرحباني الذي كان “يتعقّب” أعماله الساخرة
كما عُرف عن الحاج عماد ولعه بأناشيد الفنان مارسيل خليفة الثورية ، كان يهوى الاستماع إليها لأنها تعكس قضايا الامة والارض
لقد حظيت الموسيقى الملتزمة في حياة القائد الشهيد بحيّز من الاهتمام ، فهو لم يكن مستمعًا فحسب ، بل كان مشاركًا في العديد من الأعمال الفنية الإنشادية الى حدّ أنه تعاون مع فريق “كورال” لتسجيل نشيد “المجد لأيلول الشهداء”، وأدخل صوته فيه
تعلّقَ الحاج بالموسيقى الايرانية أيضًا ، وانجذب اليها بشدة ، يروي لنا احدهم أن الرحلة الأخيرة الى “الشام” شهدت “صدفة” غريبة ، فالحاج كان يستمع قبل وصوله الى وجهته هناك ، الى قطعة فنية إيرانية تراثية للفنان محمد الأصفهاني تحمل عنوان “امشب در سر”.. عند ترجمة كلماتها الفارسية للعربية ، يتبيّن أنها تصف الحدث قبيل استشهاده وكأنها أغنية الوداع ، فهي تقول في إحدى مقاطعها ” هذه الليلة شيء واحد .. العاطفة والفكر.. إذ أنا بعيد عن هذا العالم”
لقد كان الحاج عماد ينجذب الى الاعمال الفنية المُحكمة والمعدة بإتقان ، ولطالما واكب تصوير أناشيد المقاومة على طريقة “الفيديو كليب”
ونذكر ان نشيد “نصرك هزّ الدني” اشرف عليه العماد في أدقّ تفاصيله ، وقد قام بتعديل بعض المشاهد فيه ، وخصوصًا عندما أعاد تصوير مشهد شاب يركض حاملاً علم حزب الله ، ليستبدله بالعلم اللبناني
بالاضافة الى أصراره ، على إعادة طلي مجموعة كبيرة من حاملات راجمات الكاتيوشا لتظهر في فيديو “نصرك هز الدني”، على قاعدة أن الصورة تعبّر عن طبيعة وشخصية من فيها أو من خلفها ، مانحًا “الأخوة” مهلة لا تتجاوز الـ 24 ساعة كي ينتهوا من عملية الطلاء ثم حضر للتفقّد وأوعز بالبدء بالتصوير مجدّدًا
كما ان الحاج عماد ، عمل على استعادة “فلاشات” الاناشيد الفلسطينية القديمة كـ “طالعلك يا عدوّي طالع” لتعرض على قناة “المنار” في إطار “فيديو كليبات”
لقد كان الحاج عماد مغنية مشاركاً فعّالاً في كلّ نشاط فني يدعم المقاومة ، وحاضرًا من وقت الى آخر في المسرحيات السياسية التي تعنى بالنهج الثائر ، من مبدأ التشجيع على ان اي عمل يصب في خدمة المقاومة والتشجيع عليها هو عمل مُبارك لا يُستهان به ، كما يمكن ان يصنع فارق مهم
اما في قراءة أسرار الكُتب الإسرائيليّة حول اغتِيال الشّهيد عماد مغنية نجد انه تقدّم على السيّد حسن نصر الله في قائمة الاغتِيالات الإسرائيليّة
فلقد ترك الشهيد مغنية “إرثًا جِهاديًّا” ضخمًا وجيشًا على درجةٍ عاليةٍ من التّنظيم والتّسليح والخِبرة ، وهو الذي ما خسر معركة قط [ كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ]
كما استطاع الحاج عماد ، توريط دولة الاحتِلال في أضخم هزيمة مُنيت بها ، وذلك في تمّوز (يوليو) عام 2006 ، فقد هيّأ المُفَجّر و(خطف جُنديّين إسرائيليّين) وقادَ المعركة بكفاءةٍ عاليةٍ جدًّا
وقد سبق حقد الولايات المتحدة الاميركية ، حقد ابنها اللقيط بأشواط ، لذلك لعبت السّفارة الأمريكيّة في دِمشق دورًا كبيرًا في عمليّة إغتياله ، فلقد كان بمثابة كابوس لهم على مدى اعوام
في الذّكرى الـ15 لإغتِيال ” حاج فلسطين ، كما كان يُحب ان يُلقب ” اي قبل عام من اليوم ، نشر الخبير العسكري والأمني الإسرائيلي يوسي مليمان فصلًا من كتابٍ جديد يُوثّق عمليّة اغتِيال الحاج عماد في صحيفة “هآرتس” اليوميّة
حيث قال المُؤلّف ان مغنية كان يحتلّ المكانة الأولى على قائمة الاغتيال الإسرائيليّة لأنّه كانَ شخصيّةً في قمّة الدّهاء ، ويقف خلف جميع العمليّات الفدائيّة التي استهدفت دولة الاحتِلال سواءً داخِل فِلسطين المُحتلّة أو انطِلاقًا من جنوب لبنان
ويقول الكاتب ان قرار الاغتيال ، صدر عن إيهود أولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلي ، ومئير داغان رئيس الموساد الأداة المُنفّذة ، وذلك بعد الحُصول على “مُباركة” الرئيس الأمريكي في حينها جورج بوش الابن
وقد كشف المُؤلّف سِرًّا خطيرًا جدًّا ، وهو أن القنبلة التي صنعها الموساد وجرى استِخدامها في الاغتيال تمّ نقلها عبر السّفارة الأمريكيّة في الأردن وربّما عبر الحقيبة الدبلوماسيّة إلى نَظيرتها في دِمشق وجرى تسليمها لخليّة التّنفيذ المُوساديّة في العاصمة السوريّة ، كما أكد الكاتب ، أنّ عددًا من الدول العربيّة “المُعتدلة” قد لعبت دورًا مُباشِرًا في تنفيذ هذه العمليّة من خِلال مُشاركة أجهزة استِخباراتها في عمليّة جمْع المعلومات عن الرّجل وتحرّكاته
ميلمان لا يكشِف بصورةٍ مُباشرةٍ النقاب عن أنّ “إسرائيل” هي التي كانت تقِف وراء عملية الاغتيال في الـ 12 من شهر شباط (فبراير) من العام 2008 ، وأنّها هي التي أخرجت عملية التصفية إلى حيّز التنفيذ ، إلّا إنّ الاطلاع على الكتاب لا يترك مجالاً للشكّ بذلك ، وبعد نجاح العملية ، أضاف ميلمان ، اتصلّ رئيس الموساد برئيس الوزراء أولمرت ، الذي كان بالطائرة متوجهًا إلى واشنطن وأبلغه أنّ (العربيّ مات)
[ في إشارة إلى أنّ العُنصرييّن في الكيان الإسرائيلي ومنذ عقودٍ من الزمن يستخدِمون مصطلح [ “العربيّ الجيّد هو العربيّ الميّت” ]
نجا الحاج عماد سابقًا ، من ثلاثة عمليّات اغتيال إحداها بصاروخِ طائرة مُسيّرة ، ولم تكن تُوجد له إلا صُورة واحدة أُخذت عندما كان عُمره 22 عامًا ، وكانَ لا يظهر في العلن ، وأُجريت له عدّة عمليّات لتغيير ملامح وجهه ، بحسب الكاتب
ولا نستبعد أن يَكشِف الكِتاب عن معلوماتٍ سِريّةٍ عن دَورِ بعض الحُكومات العربيّة في عمليّة الاغتِيال هذه من خِلالِ تسهيلاتٍ لوجستيّة ، والمُشاركة في جمْع المعلومات عن الشّهيد وتحرّكاته عبر أجهزتها الأمنيّة
ما يهمنا من اعتراف الكاتب ليس الشخصيات المجرمة التي امرت او التي نفذت او التي سهلت وشاركت ، الذي يهمنا هو [ اعترافه ، كيف أن السّفارات الأمريكيّة ليست قِلاعًا دبلوماسيّةً بريئةً مثلما تُوحي السرديّات الأمريكيّة ، وإنّما “قواعد” لارتكاب الجرائم والاغتِيالات ، وهذه حقيقة اصبحت مُوثّقة في كتاب المُؤلّف الإسرائيلي ]
ختامًا ، لا يزال الشهيد الكبير عماد مغنية لغزًا حير ويحيّر الكثيرين ، بدءًا بشخصيته وهويته الغامضة التي لم تُكشف إلّا بعد اغتياله ، والتي كانت وكأنها نبعٌ يفيض بالأسرار الغريبة والجميلة في آن معًا ، [ وهي حقًا كذلك] اما مسيرته الجهادية الطويلة ، فتُشير الى أنه واحد من القادة القلائل الذين تميّزت حياتهم بخط تصاعدي على كافة المستويات ، والذين يمتلكون قدرات ولياقات ذهنية غزيرة جدًا
وما لا يمكن ان يختلف عليه لا عدو ولا صديق ، هو ان الحاج عماد مغنية كان شخصية أسطورية تختزن كمًا هائلاً من الأسرار ويلفها الغموض من كل ناح ، وعليه مهما كُتبت مقالات ومضت سنون فستبقى هذه الشخصية تفيض عامًا بعد عام بالمفاجآت المذهلة
[ وكرأي شخصي ، استنتجته من خلال التعرف على جزء بسيط من هذه الشخصية الفذة ، هو انه (صحيح ان الله يختار جنوده ويعرف اخلاصهم المطلق ، وليست مبالغة منا اذا قلنا انهم ملائكة للرحمان تمشي على الارض بيننا ) الا ان للاهل دور كبير في اطلاق العنان لأمثال هؤلاء ، ولا اخفي عليكم انه تبادر الى ذهني وانا اقرأ ( سؤال: كيف لأبن الثانية عشر ان يلتحق بالعمل الجهادي بموافقة ذويه) ، ومن هنا يجب ان نعي اهمية مُباركة هؤلاء الشرفاء الذين لا يبخلون على الله بنعمةٍ هو من وهبها لهم ومنَّ عليهم بها ]
فبُورك كل من غرس هذا الفكر ، وشجع عليه ، وهيأ له … هنيئًا ، فواللهِ انه الصراط المُستقيم
2024-02-16