ابطال من هذا الزمان كريم أخميس نموذجا!
عبدالحسين حميد.
في نهاية الستينات وبداية السبعينات كنت طالبا في اعدادية الناصرية….وكنت يومها صديقا لمناضل عنيد وشجاع من كادحي مدينة الناصرية…هو طيب الذكر كريم اخميس.
كان كريم يقتسم محلا او دكانا في سوق القصابين- سوق سيد سعد – في وسط المدينة ،مع رفيقه وصديقه الغيور والخلوق ابو كاصد -ريسان-…وكنت مع بعض الزملاء والاصدقاء نتردد عليهم في محلهم باستمرار…حيث كنا يومها نعمل في اتحاد الطلبة العام …وفي ذروة الحماس الثوري وحينما نلتقيهم ونجالسهم نتزود بشحنات ثورية اضافية هائلة.
كان كريم يتعامل خلال نهار عمله مع عامة الناس من ابناء المدينة وخصوصا الكادحين والفقراء منهم وكان لا يتردد في مساعدة بعضهم سواءا عينيا أو حتى نقديا….لقد كان زاهدا ثوريا حقيقيا اذ كان يقول (طالما تتوفر لقمتنا انا وامي فما زاد ليس لنا).
اما ليلا وكما هو روتين الحياة اليومية في المدينة انذاك ، كان يلتقي ويجتمع مع مثقفي وكتاب وسياسي المدينة المعروفين منهم على سبيل المثال عزيز سيد جاسم وعبد الرزاق النجار وعزيز عبد الصاحب وغيرهم الكثير…حيث كان كريم مثقفا سياسيا ومحاورا جيدا واضح الراي والاتجاه ..على الرغم من بساطة تحصيله الدراسي …لكنه تربى وتعلم وتصلب عوده الثوري بين هاتين البيءتين …بيئة الثقافة والادب والسياسة وقصص النضال والسجون ليلا…وبيئة الكادحين والمعدمين والاحتكاك بهمومهم وظروف حياتهم الصعبة نهارا…هذا بالاضافة الى ما كانت تتميز به مدينة الناصرية ومدرستها السياسية الثورية الشعبية العالية والتى امتدت صورتها النضالية التاريخية المجيدة من شجرة باهيزة(الشجرة الخبيثة) الى هور الغموكة.
لقد مارس النظام البعثي مختلف الاساليب الدنيئة والقذرة مع كريم اخميس الى ان اصبح في بداية السبعينات من رواد قصر النهاية سيء الصيت…الا ان ذلك لم ينل من عزيمته وايمانه.
فتحية لذكراك ايها المتميز
في احد الايام روى لي كريم الرواية التالية:
على اثر انقلاب شباط الاسود عام ٦٣ ، تعرض اعضاء منظمة الحزب الشيوعي في الناصرية للاعتقال والسجن بما فيهم اعضاء اللجنة المحلية للمنظمة …الا ان طعمه مرداس ، وهو الكادر الحزبي الفلاحي النشيط ، لم يقع في قبضة اجهزة الانقلاب وظل طليقا…
كريم اخميس يصف طعمه مرداس بانه كان: يلبس دشداشة عتيكه- يغطي راسه بجراويه-يمشي حافي القدمين- يتظاهر بالغباء والهبل.
تم اعتقاله عدة مرات خلال حملات الاعتقال الجماعية التي كان تقوم بها اجهزة الانقلاب انذاك…الا انه كان يتمكن من الافلات بذكائه وفطنته.
كانت تظهر في ذلك الوقت وبين الحين والاخر بيانات ومنشورات تدين الانقلاب وتفضح جرائمه وتدعو المواطنين لمقاومته وكانت موقعه باسم اللجنه المحلية لمنظمة الحزب الشيوعي في الناصرية…..وبما ان جميع اعضاء اللجنة المحلية يقبعون في المعتقلات والسجون فقد جن جنون اجهزة الانقلاب بعد ان عجزت في معرفة الفاعل….والفاعل طبعا هو طعمه مرداس.
كان طعمه مرداس يتمتع بقدرة فائقة على التخفي واستغلال الفرص والثغرات في منظومة الانقلابيين الامنية….فمثلا في احدى مرات اعتقاله وبينما كان مع عدد من المعتقلين جاءهم رجل امن ووقف امامهم وقال(اللي سياسي يوكف من هاي الصفحه واللي مو سياسي – حرامي ..قاتل ..و..و- يوكف من الصفحه الثانية) فاستغل الامر طعمه مرداس ووقف مع الحرامية فاطلق سراحه…لان اجهزة الانقلاب في ذلك الوقت كانت تعاني من ازمة اماكن لاعتقال السياسيين لذلك كانت تضطر لاطلاق سراح الاخرين واخلاء المعتقلات منهم.
وفي احدى المرات جرى اعتقاله فطلب ضابط الامن ان ياتوه بطعمه مرداس…فوقف طعمه مرداس امام ضابط الامن وهو يعرف (اي طعمه مرداس)انهم لا يملكون دليل ضده….فضحك الضابط مستهزءا بهذة الشخصية البسيطه والوضيعه..والتي لا توحي بانها المسؤولة عن اصدار هذة البيانات وباسم اللجنه المحلية في المدينة.
فدار بينهما الحوار التالي:
ضابط الامن: هاي انت ولك اللي دوخت راسنه
طعمه مرداس: سيدي ارد اسالك بللاه وبروح والديك ..انت بهذا عمرك كله فتت مره بالطريج وشفت الوادم ملتمه على واحد ممطول ومدد بالطريج وشايل زره ويصرخ اخ يابويه كرصني كراص الخصاوي…بحياتك كله شايف هيج واحد.
ضابط الامن: لا ما شايف.
طعمه مرداس: الف رحمه اعلى بطن النكلتك…انه تره بس صيت(سمعه) مثل صيت كراص الخصاوي الي لا يكرص ولا يحل ولا يربط الله وكيلك ومحمد كفيلك.
عندها اشار ضابط الامن الى عناصره بغضب…طلعو هذا الجلب خل يولي.
فكسب طعمه مرداس الجوله بامتياز
ولكن المفارقة ان طعمه مرداس لم يخطر بباله ان ياتي يوم ويتحول فيه جماعته الى مجرد -كراصي خصاوي- لا يحلون ولا يربطون.
ان تجربة هذا المناضل الشهم تشير الى انه كان يعي تماما ان الفراغ في الساحة السياسية امر قاتل ومدمر ولا يعني الا منح الفرصة لهيمنة وسيادة مشروع الدمار والتخريب كما هو حاصل في العراق الان.(ظل البيت لمطيرة وطارت بيه فرد طيره).
وهذا ما يجب ان يعيه ويفهمه كل الوطنيين والمقاومين العراقيين ..حيث انه مهما علت اصواتهم و مهما لعلعت رصاصاتهم فانها لن تسمع ولن تجدي نفعا اذا لم تعتمد وتستند على برنامج وطني واضح الاهداف والمهام ويخاطب الشعب العراقي باعتباره شعب كباقي شعوب العالم يتكون من عمال وفلاحين وكسبه وطلاب وشباب ومهندسين و..و.. ولديه نقابات ومنظمات مهنية تنطق باسم قطاعاته المختلفة وليس كما كما يريده الاحتلال وعملاءه بانه مجتمع الطوائف المتناحرة والقوميات والاثنيات المتقاتله ومنظمات المجتمع المدني.
2020-10-30