إسرائيل دولة جميع مُحرّضيها الصهاينة
زهير أندراوس
في شهر آب (أغسطس) من العام 2010، نشرتُ مقالاً في صحيفة (يديعوت أحرونوت) العبريّة، انتقدتُ فيه عقد مؤتمر حركة فتح الخامس في مدينة بيت لحم المُحتلّة، تحت أبصار وآذان المُخابرات الإسرائيليّة، التي تحكّمت أيضًا في السماح أوْ منع الأعضاء من الدخول إلى فلسطين للمُشاركة، من مُنطلق سيطرتها على جميع المعابر البريّة، البحريّة والجويّة. علاوةً على ذلك تطرّقت إلى أشكال النضال التي يتحتّم على الشعب العربيّ الفلسطينيّ أنْ يتبنّاها من أجل كنس الاحتلال البغيض واللئيم، وشدّدّتُ على أنّه من حقّ شعبي أنْ يلجأ إلى جميع الوسائل لمُواجهة الاحتلال، بما في ذلك الكفاح المُسلّح، كما جاء في وثيقة جنيف الرابعة. وبعد عدّة أيّام، وعلى ضوء نشر المقال استضافتني القناة العاشرة بالتلفزيون العبريّ حول نفس الموضوع، ولم أتردّد لحظة في التأكيد مرّةً أخرى على أنّ الكفاح المُسلّح ضدّ جيش الاحتلال هو مشروع وتضمنه الاتفاقيات الدوليّة.
***
كانت تصريحاتي الصريحة حول الكفاح المُسلّح بمثابة الوقود لليمين الصهيونيّ، فإسرائيل هي شاباك، أيْ مُخابرات الداخل، يملك دولة، وليست دولةً تملك شاباك. وعلى الفور سارعت منظّمة (إم ترتسوا)، العنصريّة المُتشدّدّة جدًا بتوجيه رسالةٍ إلى المُستشار القضائيّ للحكومة الإسرائيليّة طالبةً التحقيق معي بتهمة التحريض على قتل جنود الاحتلال في يهودا والسامرة، وهو الاسم التلموديّ للضفّة الغربيّة المُحتلّة. وفي دولةٍ تتنفّس العنصريّة بدون توقّفٍ، أصدر النائب العام الإسرائيليّ، شاي نيتسان، أمرًا للشرطة الإسرائيليّة باعتقالي والتحقيق معي بالتهم الـ”منسوبة” إليّ، وفعلاً تمّ اعتقالي في شرطة مدينة رمات-غان، المتاخمة لتل أبيب، مع أننّي أسكن في قرية ترشيحا، قضاء عكّا، شمال فلسطين، قريبًا من الحدود مع لبنان. ولم يكُن هذا الاعتقال الأوّل، فقد سبق أنْ اعتُقلت من قبل جهاز الأمن العّام بتهمة العضويّة في الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين، المُعرفّة حسب قانون الدولة العبريّة تنظيمًا إرهابيًا، وخلال زجّي في الزنزانة تعرّضت لأبشع صنوف العذاب من المُحققين في “واحة الديمقراطيّة في صحراء الديكتاتوريات العربيّة”(!).
***
التحقيق بتهمة التحريض جرى تحت طائل الإنذار، واستمرّ عدّة ساعاتٍ، ومن نوافل القول والفصل أيضًا إننّي عدتُ وكررتُ أمام المُحققة بعدم تراجعي قيد أنملة عن تصريحاتي، مُشدّدًا على أنّها تدخل في إطار حريّة التعبير عن الرأي، وبعد انتهاء السين والجيم، والتشاور مع ضبّاط التحقيق الكبار، قرروا إخلاء سبيلي بكفالةٍ ماليّةٍ، على أنْ يُبلغوني لاحقًا بقراهم فيما إذا قرروا تقديمي للمُحاكمة أمْ لا، وحتى اليوم، بعد مرور 8 أعوامٍ من الواقعة لم أتسلّم وثيقةً رسميّةً بأنّ الملّف بتهمة التحريض على قتل جنود الاحتلال تمّ إغلاقه.
***
وقبل الولوج في تطوّر الأحداث، غنيٌ عن القول إننّي ما زلتُ مُتمسّكًا بآرائي وأفكاري فيما يتعلّق بمُواجهة الاحتلال، بما في ذلك الكفاح المُسلّح لشعبٍ يئن تحت نير الاحتلال منذ عشرات السنين، ولا يلوح في الأفق أيّ حلٍّ لقضية شعبي الفلسطينيّ، وهي باعتقادي المُتواضِع أعدل قضية في العالم، لأنّه ارتُكبت بحقّ هذا الشعب أخطر جريمةً في التاريخ، إذْ تمّ اقتلاعه من أرضه، وتحت قوّة السلاح والمجازر والمذابح، تمّ تهجيره من أرضه وانتهاك عرضه فرادى وجماعات، وبات شعبًا مُقطّع الأوصال يعيش بسواده الأعظم في مخيمات اللجوء في الأردن، لبنان وسوريّة في ظروفٍ معيشيّةٍ صعبةٍ للغاية.
***
أمّا الجزء الثاني من القصّة، فيحدث يوميًا: العنصريّة باتت الرياضة الوطنيّة للسواد الأعظم من الإسرائيليين، لأسبابٍ عديدةٍ، وفي مُقدّمتها أنّ رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، بات قائد زمرة المُحرّضين على الناطقين بالضاد من طرفي ما يُطلَق عليه الخّط الأخضر، ولا يترك مُناسبة إلّا ويُوظفها لنفث سمومه الحاقدة على الشعب العربيّ الفلسطينيّ، أيْ كما يقول المثل العاميّ: “الثلم الأعوج من الثور الكبير”، ففي عيد الأضحى الأخير تعرّض ثلاثة شبّان من مدينة شفاعمرو في مناطِق الـ48 لاعتداءٍ همجيّ على الشاطئ في حيفا لكونهم عربًا، حين قامت مجموعةً كبيرةً من اليهود بالاعتداء عليهم بالسلاسل الحديديّة، والسكاكين وآلات حادّةٍ أخرى، فيما حافظ اليهود الذين كانوا في المنطقة على الهدوء ولم يفعلوا شيئًا لوقف الهجوم البربريّ والوحشيّ، الذي انتهى بأعجوبةٍ، حيث تمّ نقلهم في نهاية المطاف، وهم يُعانون من جراح بالغةٍ إلى مستشفى “رمبام” في حيفا. نتنياهو ووزراء حكومته لم ينبسّوا ببنت شفة، ولم يشجبوا أوْ يستنكروا أوْ يُدينوا هذا الاعتداء العنصريّ، لأنّهم يُمارِسون يوميًا العنصريّة الكلاميّة، التي تُترجَم من قبل عامّة الشعب إلى اعتداءاتٍ جسمانيّةٍ.
***
والشسء بالشيء يذكر: قبل ثلاثة أسابيع قام مُقدّم أحد البرامج في التلفزيون العبريّ، إيال بركوفيتش، بإطلاق عددٍ من التصريحات العنصرية ضدّ النواب العرب في الكنيست الإسرائيليّ ضمن برنامجه “بيركو وأسياغ”، الذي يُبّث على قناة “كيشت 12″، حيث وصف النوّاب العرب بالمُخرّبين، والطابور الخامس، مطالبًا بطردهم من الكنيست، ومؤكّدًا أنهم لو وافقوا على المشاركة بالبرنامج، كان سيقوم ويغادر الأستوديو ضاربًا بعرض الحائط المهنيّة الإعلاميّة التي تُحتّم عليه الفصل ما بين مواقفه الشخصية وبين النشر والعمل الإعلاميّ. الصحافيّة التقدّمية من صحيفة (هآرتس) العبريّة، أريانا ميلاميد، قدّمت شكوى رسميّةً إلى الشرطة الإسرائيليّة، بواسطة مُحامي الدفاع عنها، طالبت فيها بالتحقيق الجنائيّ مع بيركوفيتش على تصريحاته العنصريّة، وقالت إنّ الطريقة الوحيدة لإسكات بيركوفيتش هي التوجّه للشرطة، مُوضحةً أنّ الشكوى قُدّمَت اعتمادًا على قانون 144 من القانون الجنائيّ، الذي يمنع التحريض على أيّ شخصٍ بسبب انتمائه العرقيّ، الطائفيّ والمذهبيّ، مُطالبةً في الوقت عينه، الجمهور الواسع بتقديم الشكاوى للشرطة لمنع تفشّى ظاهرة العنصريّة أيضًا في التلفزيون العبريّ، على حدّ تعبيرها.
***
يُشار إلى أنّ البرنامج المذكور لا يُبّث بشكلٍ حيٍّ ومُباشرٍ، بل أنّ المُخرِج والمُنتِج وباقي أعضاء الطاقم يُصوّرون البرنامج، وبعد ذلك يجد طريقه للبث، وهذا الأمر يؤكّد أنّ القيّمين على البرنامج، وافقوا ضمنًا على التحريض السافِر ضدّ النواب العرب من قبل مُقدّم البرنامج المذكور. وبالرغم من مرور أسبوعين ونيّف على الشكوى، لم تستدعِ شرطة “الديمقراطيّة الوحيدة في الشرق الأوسط” (!) مُقدّم البرنامج والمسؤولين عنه للتحقيق، كم فعلوا مع كاتِب هذا السطور، الأمر الذي يؤكّد أنّ إسرائيل هي دولة كلّ مُحرّضيها الصهاينة، والعرب، أصحاب الأرض الأصليين، باتوا بعد قانون القوميّة “مُواطِنين”(!) من الدرجة العاشرة بعد المائة.
كاتب فلسطيني
2018-09-03