أيام مع مروان البرغوثي .ح9!
من ذكريات اجتياح العام ٢٠٠٢
محمد يوسف.
فجأة رن هاتفي!!!
اصبح مخيم جنين حاضنة لرجال المقاومة من جميع الأطياف الوطنية والإسلامية ومن مختلف مناطق محافظة جنين. واطلق عليه المحتلون اسم(خزان الاستشهاديين) تارة، و (عاصمة الاستشهاديين) تارة أخرى. في دفاعهم عن المخيم أثناء الاجتياح، توحد المناضلون واختاروا الضابط في الأمن الوطني يوسف قبها الملقب(ابو جندل) ليقودهم، واعدوا للمعركة جيداً. تعلموا من التجارب السابقة فزرعوا الطرق والمفارق بالعبوات الناسفة، وفتحوا ثغرات بين البيوت للمناورة وتسهيل الحركة.
اخفق جيش الاحتلال في دخول المخيم حتى هدم حي الحواشين بالكامل، ثلاثمئة وثمانون منزلا. تعفنت الجثث ولم يسمح لسيارات الإسعاف بنقل الجرحى. كثيرون اضطروا إلى دفن شهدائهم في أفنية منازلهم. وحين انجلى غبار المعركة، بدا كأن زلزالاً ضرب المخيم!! ما عاد بمقدور الناس التعرف إلى شيء.
أسفرت معركة المخيم عن قتل سبعة وعشرين جنديا اسرائيليا بينهم قائد الهجوم، واستشهد ستة وخمسين من الأهالي ورجال المقاومة بينهم ابو جندل، واعتقل العشرات.
في رام الله انسحب جيش الاحتلال من المدينة بعد ثمانية وثلاثين يومًا… ارصفة مدمرة وأعمدة كهرباء محطمة بصورة متعمدة وأنا أعبر وسط المدينة، سيارات مهشمة وزجاج متناثر، كتل تراب وغبار متراكم…. هذه هي رام الله عقب الاجتياح. والأقسى ظهر على الوجوه وفي نظرات العيون. جموع مذهولة وابتسامات حزينة، أناس مصدومون كانهم فاقدوا الذاكرة. مكان يهيمن عليه صمت القبور رغم زحمة البشر.
التقيت احمد غنيم، وعلى الفور ذهبنا لزيارة عائلة مروان في حي الطيرة فلم نجدهم. انتقلنا الى منزل عائلة زياد في حي الإرسال والتقينا زوجته وأطفاله.
وأنا في طريقي وحيداً ليلًا إلى منزل مروان، صمت وألم وذكريات! اصطادوا الصقر. كدت اختنق بدموعي وأنا أتبادل التحية مع زوجته وأطفاله حين وصلت.
اعتقل مروان وابرز ناشطي الانتفاضة والمقاومة، ضربة قاصمة. انفرط عقد اللجنة الحركية العليا فلم يعد لها وجود فعال. وبالتوازي مع ذلك تبخرت كل التسميات الداخلية التي اخترعت أساسًا لاعتراض طريق مروان، انتهت صلاحيتها وتلاشت كأنها لم تكن.
في طريقي انا واحمد غنيم للاجتماع بمحافظ المدينة بعد مدة، عبرنا من أمام المقاطعة. عتمة مطبقة وصمت قاتل. حطام سيارات يسد المدخل…. خلف هذا الركام والدمار يربض القائد المحاصر.
تراجعت فعاليات الانتفاضة، لكن اسرائيل أخفقت في قتل الروح الثورية، فما تظن انه البنية التحتية للمقاومة، ويجتهد جيشها للقضاء عليه، هو فكرة في الرؤوس، شيء لا يمكن اقتلاعه. المقاومة ليست مقرات وجيش وأسلحة يمكن تدمير ها.
عند الساعة السادسة والدقيقة الخامسة عشر مساء يوم الثاني من شهر تشرين الأول ٢٠٠٣ رن هاتفي الجوال:(ديروا بالكم على الشباب، حافظوا على جمرة الانتفاضة والمقاومة، ولتبقى قضية الأسرى على رأس أولوياتكم). هذا ما قاله مروان. ارتبكت وكاد الدمع يفر من عيني وقد تخيلت رفيقي متكئا على مرفقيه، ويهمس من تحت بطانية مهترئة في زنزانته المعتمة. لملمت بعض كلمات سريعة:( انت يا مروان كما انت، كانك تقود الانتفاضة على دوار المنارة). انقطع الاتصال فجأة!!!
في اليوم التالي هتف مروان في قاعة المحكمة: (الانتفاضة ستنتصر).
ثلاثة أيام بعد ذلك ورن هاتفي الجوال مجددًا: (تطوع محام يهودي متدين للدفاع عني. سأجعل محاكمتي محاكمة للاحتلال).
كان هذا آخر حديث بيني وبين مروان.
بعد مدة هتف مروان في وجه القاضي:(انا مقاتل وليس قاتل).
حكم عليه القاضي خمس مؤبدات واربعون عاما، ومنذ ثمانية عشر عاما وهو يواصل الكفاح من داخل سجنه.
لا بد ستشرق شمس الحرية على مروان ورفاقه الأسرى، ونأمل أن يكون ذلك قريباً.
هذه هي الحلقة الأخيرة
مع تحياتي: ابو علاء منصور
2020-04-28