أوروبا.. والترحيب المشبوه باللاجئين السوريين
د. نسيب حطيط
بعد الإعلان الأوروبي، بلسان ألمانيا، عن استقبال اللاجئين السوريين وتوزيعهم على الاتحاد بشكل شبه إلزامي، وإعلان المستشارة الألمانية ميركل أن ألمانيا ستستقبل هذا العام أكثر من 800 ألف لاجئ، وعلى مدى السنوات المقبلة، تُطرح أسئلة عديدة، وباستغراب:
1- ماهي الدوافع الطارئة لهذه الطفرة الإنسانية المفاجئة، بعد خمس سنوات من الأزمة السورية؟
2- لماذا لا توقف أوروبا حربها على سورية، فتعيد الجماعات التكفيرية، وتستبدلهم بالنازحين؟
3- لماذا اضطرت ألمانيا لتعديل قانون اللجوء السياسي الصادر في العام 1945، وتراجعت عن موقفها الرافض لاستقبال النازحين؟
4- هل الدوافع إنسانية، أو اقتصادية، أوسياسية؟
5- لماذا لم تستقبل دول الخليج أحداً من اللاجئين السوريين، وهي التي تموّل الإرهابيين التكفيريين؟
6- لماذا لم تفتح أوروبا أبوابها ونوافذها للعراقيين الذين شرّدهم الغزو الأميركي منذ العام 2003، وقتلتهم “القاعدة” و”داعش” بالسيارات المفخخة والعمليات الانتحارية حتى الآن؟
أجوبة كثيرة، والمشترك فيها أن المصلحة الأوروبية متقدمة ومرجَّحة على أي اعتبار إنساني، فلو لم تكن المصلحة الأوروبية مؤمَّنة أكثر من مصلحة اللاجئين، لما بادرت ألمانيا لتحريض أوروبا على استقبالهم، وتزيين محاسن وخيرات اللجوء للشعب الألماني، حيث قالت المستشارة ميركل إن “التدفق الكثيف للمهاجرين سيغيّر ألمانيا، وسيكون هذا التغيير إيجابياً للبلاد، ونعتقد أن بوسعنا تحقيق ذلك”، ودعت النساء السوريات لبدء حياة جديدة ملؤها الثقة، عبر تعلّم اللغة الألمانية، فـ”من يجيد الألمانية يمكنه استخدام قدراته في مجتمعنا بصورة أفضل كثيراً، وعلى أقل تقدير يمكن للنساء أن يتعلّمن مع أطفالهن الذين يذهبون إلى رياض الأطفال أو المدرسة”..
إذاً، ميركل تبشّر بأن منح اللجوء للسوريين هو لمصلحة ألمانيا واقتصادها، ولحفظ أمنها الاقتصادي والديمغرافي، وهذا ما يؤكده تصريح المسؤول في دائرة الهجرة واللجوء الألمانية: “السياسة الألمانية تجاه اللاجئين والمهاجرين تسعى لكسبهم وعدم إبعادهم، لأنهم في نظر ألمانيا قوة وإضافة لصالح ألمانيا”؛ في إعادة مكرَّرة لعمليات استقدام العبيد إلى أميركا وأوروبا، ولكن بشكل خادع، حيث تتوقع بعض مؤسسات الدراسات أن ألمانيا ستحتاج إلى حوالي 1.8 مليون عامل في 2020، و4 ملايين على مشارف 2040، إذا لم تستقبل المهاجرين الإيجابيين (الأكفّاء وذوي الخبرة القادرين على العمل)، وأن الألمان سيتناقصون، وستزيد نسبة المتقاعدين، ولذا فاللاجئون يسدون العجز وينتشلون الاقتصاد الألماني.
أما عن سرّ اختيار السوريين خصوصاً، فذلك لعدة اعتبارات:
1- وجود جالية تركية كبيرة في ألمانيا، فالذين يتحدثون التركية حوالي عشرة ملايين، ولإحداث التوازن تم اختيار السوريين الذين لن ينسجموا مع الأتراك، نتيجة الاختلاف القومي والتاريخي، والحقد على السياسة التركية تجاه سورية.
2- تبحث ألمانيا عن طريقة غير عسكرية للتدخل في الشأن السوري، فوجود أكثر من مليون سوري فيها، بالإضافة إلى روابطهم العائلية في سورية، سيكون له صوت مؤثر في أي انتخابات مقبلة، وتكوين رأي عام على المستوى السياسي والإنساني والاستثماري في إعادة إعمار سورية.
3- تشجيع فرنسا وإيطاليا واستدراجهما لاستقبال المسيحيين من لبنان وسورية والعراق، للتخلّص من العبء الديني والتقصير في حمايتهم، وذلك من خلال المشروع الأميركي – “الإسرائيلي” منذ الحرب الأهلية اللبنانية، وتكفيراً عن المحرقة اليهودية المزعومة بمحو الوجود المسيحي من الشرق.
المستغرب أيضاً أن تسارع ألمانيا لتعليق أحد بنود اتفاقية “شينغين” المتعلق بحرية التنقل، وهذا ما يقسّم أوروبا ثانية، وكذلك يهدد الاتحاد الأوروبي باستخدام القوة لمنع اللاجئين من الوصول إلى شواطئه، فهل الترحيب الأوروبي مجرد فقاعة إعلامية للتبرؤ من الجريمة الإنسانية بحق سورية، أم أن ألمانيا تتحضر لتفكك الاتحاد وتبني اقتصادها ومجتمعها بشكل خاص وتترك لفرنسا المهاجرين من المغرب العربي وشمال أفريقيا الحاضنين للمتشددين الإسلاميين والتكفيريين، وتحمي نفسها من الشر الآتي؟
لا كرامة وعزة لأحد إلا في وطنه، وعلى الأخوة السوريين أن يستيقظوا، وأن يساهموا في الدفاع عن وطنهم ووحدتهه، وألا يهاجروا فيصيبهم كما أصاب الأخوة الفلسطينيين عندما غدرهم العرب وذبحتهم عصابات اليهود الصهاينة.
لم نحصد من المستعمرين سوى الشر والقتل والنهب، ولذا فنحن خائفون من الكلمات الناعمة لأوروبا وأميركا، والأيام المقبلة ستكشف المستور!
2015-09-18