أوروبا هيأت الأرضيّة للعدوان، وتحث على وقف التصعيد بين إسرائيل وإيران!
عبر قادة أوروبيون عن قلقهم بشأن الهجمات العسكرية الإسرائيلية التي شنت (صباح الجمعة) على إيران، ودعا بعضهم إلى ضبط النفس وخفض التصعيد بصفة فوريّة لتجنب حرب شاملة يمكن أن تندلع في جميع أنحاء الشرق الأوسط وخارجه، لكّن ثلاثي لندن-برلين-باريس وعدد من الدّول التي يسيطر على السلطة فيها اليمين الأوروبي أكدت على ما أسمته حق الدّولة العبريّة المشروع في الدّفاع عن نفسها طالما أن الهجوم يهدف لعرقلة تطّور نووي إيراني محتمل وإن اشترطت عليها “أن تبقى العمليات محدودة، ومُركّزة”، لتجنب مخاطر نووية قد تتجاوز تأثيراتها حدود الإقليم.
سعيد محمد *
عبر قادة أوروبيون عن قلقهم بشأن الهجمات العسكرية الإسرائيلية التي شنت (صباح الجمعة) على إيران، ودعا بعضهم إلى ضبط النفس وخفض التصعيد بصفة فوريّة لتجنب حرب شاملة يمكن أن تندلع في جميع أنحاء الشرق الأوسط وخارجه، لكّن ثلاثي لندن-برلين-باريس وعدد من الدّول التي يسيطر على السلطة فيها اليمين الأوروبي أكدت على ما أسمته حق الدّولة العبريّة المشروع في الدّفاع عن نفسها طالما أن الهجوم يهدف لعرقلة تطّور نووي إيراني محتمل وإن اشترطت عليها “أن تبقى العمليات محدودة، ومُركّزة”، لتجنب مخاطر نووية قد تتجاوز تأثيراتها حدود الإقليم.
واعتبر مراقبون أن هذا الانحياز للجانب الإسرائيلي قد يقلص من فرص تجدد دور أوروبي لإعادة الحوار (النووي) بين إيران والغرب إلى مسار مراقب دوليّاً على ما كان عليه الأمر في النصف الأوّل من العقد الماضي.
ولم يقتصر تأثير العدوان الإسرائيلي على المشهد السياسي والأمني في القارة، بل امتد كذلك إلى الأسواق المالية، فتراجعت الأسهم الأوروبية صباح أمس (الجمعة) – انخفض مؤشر STOXX 600 بنسبة 1.2% عند الافتتاح -، وتأثرت أسهم شركات الطيران والسياحة سلباً بشكل خاص، في حين ارتفعت أسهم شركات الصناعات العسكرية والدفاع.
ومن بروكسيل دعا الاتحاد الأوروبيّ إلى عقد اجتماع عاجل لمجلس الأمن للنظر في تداعيات الهجمات الإسرائيلية، وأعلن عن استعداده للتنسيق مع الأمم المتحدة للبحث في سبل فرض وقف فوري لأي هجوم جديد، وتجنّب موجة جديدة من النّزاعات. وأكد بيان باسم الاتحاد على ضرورة مشاركة مراقبين من الوكالة الدولية للطاقة الذرية في حالة استهداف منشآت نووية، مع الإشارة إلى أن ضرب المنشآت النووية يشكل “انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي”.
ورأت بروكسيل أن رد الفعل الإسرائيلي جاء ضمن سياق تصعيدي منذ هجوم السابع من أكتوبر (2023)، والردود الإيرانية في أبريل وأكتوبر2024 التي فرضت “حالة استثنائية وجواً دائماً من التوتر”، دائماً من دون الإشارة إلى سياسات الاحتلال الإسرائيلي أو هجماته المتكررة على مصالح إيرانية.
من ناحيتها أدانت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين الهجمات، وقال إن أوروبا تحث جميع الأطراف على “ممارسة أقصى درجات ضبط النفس، وخفض التصعيد على الفور والامتناع عن الانتقام”، واصفة الأنباء الواردة من الشرق الاوسط بأنها “مقلقة للغاية”، وأضافت: “إن الحل الدبلوماسي أصبح الآن أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى من أجل استقرار المنطقة، وأمن العالم”.
كما حذرت كاجا كالاس، الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، من أن “الوضع في الشرق الأوسط خطير”، ودعت جميع الأطراف إلى “ممارسة ضبط النفس ومنع المزيد من التصعيد”، مؤكدة أن “الدبلوماسية تظل أفضل طريق للمضي قدماً”.
أما الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، فقد شدد على أنه من الأهمية بمكان لحلفاء إسرائيل العمل على “خفض التصعيد”، واصفاً ما حدث بأنه “عمل أحادي الجانب من جانب إسرائيل”، ولكنه أشار إلى أن الوضع “يتطور بسرعة”. كما أكد رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) رافائيل غروسي، وهي هيئة دولية مقرها في أوروبا وتراقب المنشآت النووية الإيرانية، أن “المنشآت النووية يجب ألا تتعرض للهجوم أبداً”، داعياً جميع الأطراف إلى ” أقصى درجات ضبط النفس لتجنب المزيد من التصعيد”.
وكان رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر من أوائل رؤساء الحكومات في القارة الذين علقوا على الهجمات الإسرائيلية فور توارد التقارير بشأنها، مؤكداً أن بلاده لم تقدّم أي دعم عسكري مباشر للهجمات الإسرائيلية داعياً “جميع الأطراف إلى التراجع، وخفض مستوى التوتر بشكل عاجل”.
وكتب ستارمر عبر صفحته على موقع إكس: “إن التصعيد لا يخدم أحداً في المنطقة. ينبغي أن يظلّ الاستقرار في الشرق الأوسط هو الأولوية، ونحن نعمل مع شركائنا لوقف التصعيد”، معتبراً “حان الوقت الآن لضبط النفس والهدوء والعودة إلى الدبلوماسية”.
وأكّد وزراء في حكومة ستارمر أن سلاح الجو الملكي البريطاني المتمركز في قبرص والأردن وعدد من دول الخليج لم يكن جزءاً من أي إجراءات دفاعية إسرائيليّة لمواجهة ردود فعل إيرانية ممكنة، على أن أجهزة الأمن البريطانية كلّفت بتشديد إجراءات تعزيز حماية الجاليات اليهودية والإسرائيلية، ابتداءً بالمدارس والمعابد والمراكز المجتمعية، وإطلاق حملات توعية لمكافحة تصعيد الخطاب المناهض للسامية والتمييز الديني ضد اليهود.
في ألمانيا عقد المستشار الألماني فريدريك ميرز اجتماعاً طارئاً لحكومته الأمنية بعد أن تحدث هاتفياً مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي أبلغه بالأهداف وراء العملية العسكرية وتفاصيلها.
وقال ميرز في بيان صدر عن مكتبه إن البرنامج النووي الإيراني “ينتهك أحكام معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، ويشكل تهديداً خطيراً للمنطقة بأكملها، وخاصة لدولة (إسرائيل)”، مستشهداً بالاستنتاج الأخير الذي توصلت إليه الوكالة الدولية للطاقة الذرية والذي خلص إلى أن “إيران لا تمتثل لالتزاماتها النووية لأول مرة منذ 20 عاماً”.
وشدد ميرز في بيانه من خطورة من عدم الاستقرار الإقليمي، وقال إن ألمانيا مستعدة “لممارسة نفوذها على أطراف النزاع باستخدام جميع الوسائل الدبلوماسية المتاحة لنا. لكن الهدف يجب أن يظل منع إيران من تطوير أسلحة نووية”.
وقد أصدر الاجتماع الأمني المصغر تعليمات عاجلة للأجهزة الأمنية والعسكريّة بتعزيز حماية المواطنين اليهود والإسرائيليين داخل ألمانيا.
في فرنسا، عقد الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون صباح الجمعة مجلس وزرائه الأمنيّ المصغّر في اجتماع عاجل، ودعا وزير الخارجية جان-نويل بروزو على إثره، الأطراف إلى “ضبط النفس، وتفادي أي تصعيد قد يقوض الاستقرار الإقليمي”، مؤكّداً على “ضرورة تجنّب استهداف المنشآت النووية”. ومن الجلي أن إجراءات أخذت لتعزيز حماية المصالح اليهودية والإسرائيلية في فرنسا.
وتحدثت مصادر فرنسيّة عن جهود عبر المسار الأوروبي بالتعاون مع بروكسيل، نحو تهدئة الوضع واستئناف المفاوضات النووية لإحياء الاتفاق النووي المبرم مع إيران في 2015 – وتخلت عنه الولايات المتحدة لاحقاً خلال ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأولى -، مع تشديد باريس الدائم على لازمة “حق إسرائيل في الدفاع عن النّفس طالما أن ذلك يدخل ضمن القانون الدولي”.
وقد كان ثلاثي برلين-باريس-لندن طرفاً رئيسياً في التوصل إلى اتفاق العام 2015. لكن انسحاب الولايات المتحدة منه – 2018 -، وإعادة فرض العقوبات الأميركية على طهران أضعف بشكل كبير من الدور الأوروبي في المعادلة، على أن العواصم الثلاث وعبر اتصالات أمنية وسياسية مكثفة خلال الأسابيع القليلة الماضية مع كل من الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، لعبت دور قناة استخدمتها إسرائيل والولايات المتحدة لنقل رسائل التهديد والخداع الاستراتيجي لطهران. وبدون شك، فإن إعلان الوكالة الدولية للطاقة الذرية يوم الخميس عشية الهجوم عن أن إيران “انتهكت التزاماتها” بموجب معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية لأول مرة في نحو 20 عام هيّأ الأرضية للعدوان الإسرائيلي.
وكان مجلس وكلاء الوكالة قد اعتمد مشروع قرار أعدّته الولايات المتحدة بالتعاون مع ثلاثي برلين-باريس-لندن العتيد حظي بتأييد 19 دولة، مع معارضة روسيا والصين وبوركينا فاسو وامتناع 11 دولة عن التصويت، اتهم إيران بانها فشلت منذ عام 2019 في تقديم “تعاون كامل وفي الوقت المناسب” بشأن مواد وأنشطة نووية غير معلنة في عدة مواقع.
العواصم الأوروبية الأصغر تبايت مواقفها، إذ صرح وزير الخارجية التشيكي، يان ليبافسكي، بأن الضربات الإسرائيلية “رد فعل معقول” في ضوء طموحات إيران النووية، ودعمها لما أسماه “الجماعات التي تسعى إلى تدمير إسرائيل”. لكن إيطاليا وإسبانيا واليونان دعت لاحترام القانون الدولي ورفضت استهداف أية منشآت مدنية أو نووية، وكان من الملفت أن إسبانيا، تحديداً، أدانت الهجوم، ودعت إلى فرض عقوبات فورية على إسرائيل. كما حذّر الرئيس الأيرلندي، سيمون هاريس من أن “المزيد من التصعيد سيجلب خطراً حقيقياً للغاية من التداعيات الإقليمية، وسيكون كارثياً لجميع شعوب المنطقة”. وقالت وزيرة خارجيّة فنلندا إيلينا فالتونين إن “الوضع في الشرق الأوسط مقلق للغاية ويجب وضع حد لدورة التصعيد العسكري” مشيرة إلى أن موظفي سفارة بلادها في طهران “آمنون” واستمروا في العمل “بشكل طبيعي”.
وبينما اتخذت هولندا إجراءات احترازية لحماية يهودها، دعا وزير خارجيتها، كريستوف شوف جميع الأطراف إلى “التزام الهدوء والامتناع عن المزيد من الهجمات والانتقام. وخفض التصعيد الفوري ولصالح الاستقرار في الإقليم “.
هذا وأتى الهجوم الإسرائيلي الأحدث ضد إيران قبل يومين من اجتماع قادة مجموعة السبع (من بينها ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا) في قمة لهم بكندا تستمر يومين كان على جدول أعمالها الحرب في أوكرانيا ونظام التجارة الدولية في ظلّ التعرفات الجمركيّة الأمريكية الجديدة، لكن التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط ستفرض نفسها على المحادثات هناك.
لندن
2025-06-14