أوروبا على الطاولة!
مهدي مصطفى
أوروبا كانت تعتقد نفسها ملكة العالم، لكنها اليوم تجد نفسها مجرد كأس تدور على الشاربين فى حفل القوة، يرفعها الآخرون، ويرتشفون منها ببطء، بينما تنتظر دورها فى السطو المباغت، وفى الوقت نفسه، يحط الطير الأمريكى الجارح على رأسها، ويعيد تخطيط خرائطها وقتما يشاء، ويزأر: القوة وحدها القانون.
القارة منشغلة بشرقها الملتبس، بصراع أوكرانيا وروسيا، ومع ذلك لم تنتبه أن الحربة ستأتيها من الشمال الأعلى، من جزيرة جرينلاند التابعة للدنمارك، عضو الناتو، والمادة الخامسة التى كانت تشكل مظلة أمان واسعة، والتى تختبر الآن حدودها الحقيقية، فهل هى قادرة على استخدامها؟ وهل الحالة مناسبة؟
الكأس تدور على الجميع، كأن العالم كله مسرحية ساخرة، فأوروبا التى صاغت القوانين وكتبت المعاهدات، ترى نفسها اليوم تردد كلمات استعارتها من لسان العالم الثالث: الاستعمار الجديد، التبعية، الغزو.
الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون، بنظارته الشمسية التى تحجب عنه المأساة فى منتدى دافوس، يردد ما كنا نقوله عن الآخرين، ولم تتخيل أوروبا أن يأتى عليها يوم وتجد نفسها فيه تلوك كلمات مساكين العالم الثالث، كأن التاريخ قرر أن يلتهمها بسخرية.
كما فى «آلة الزمن» لـ «إتش. جى. ويلز»، حين كان البطل يسافر إلى المستقبل ويجد الإنسانية ممزقة بين طبقات متصارعة، ترى أوروبا نفسها اليوم نسخة مقلوبة من ماضيها، وبينما يبدو الماضى بعيدا، يعود اليوم فى مرآة القوة، والفراغ أرض خصبة للابتلاع، والضعف عشب هش بين أيادى الأقوياء، والشرعية تتحول إلى رماد يرقص فوقه الجميع.
القوة وحدها الآن تمنح الحق، كما كانت تمنحه فى الأزمنة السحيقة، قبل أن تنشأ القوانين والمعاهدات، وعلاوة على ذلك، كل ما صنعته أوروبا من معاهدات وتحالفات صار زينة بلا روح، مجرد «ديكور» أمام إرادة أمريكية عميقة ونهائية.
الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، يعلن دون تردد: نريد جرينلاند لأمننا القومى، وسنأخذها بالدبلوماسية، وإن لم يكن فسنشتريها، وإن لم يكن سنغزوها بالقوة، وهكذا، كل القوانين الدولية، والتحالفات، والتاريخ صارت جميعا من الماضى، فاليد الأمريكية هى التى تحدد كل شيء، تلتقط القطع كما تشاء، وتترك فتاتا من السيادة لأصحاب الوجوه الرسمية المتجمدة.
طار عقل أوروبا من رأسها، ولسان حالها يتساءل: أنا التى كنت أغزو، وأستعمر، وأحتل، فإذا بى الآن فى مرمى جحافل الغزو، ومساحة تعادل مساحة أوروبا الغربية يمكن اقتطاعها منى بقرار واحد، ولا مجلس أمن ينفع، ولا إجماع يحدث، لكن إرادة القوة الصرفة وحدها تحكم، ولا حساب للتحالفات، ولا لأوراق القانون الدولى، ولا لهوامشه الصغيرة؟
مارك كارنى، رئيس وزراء كندا، قال ساخرا: إذا لم نكن حاضرين على الطاولة، سنكون مدرجين على قائمة الطعام، أما بارت دى ويفر، رئيس وزراء بلجيكا، فكان أشد وضوحا: الأمر بلغ حده، وكلما تساهلنا مع واشنطن ازدادت توحشا، ودعا أوروبا إلى إعادة بناء قوتها، واستعادة إرادتها، وعدم التساهل بعد الآن.
لكن الوقت فات على هذه اليقظة المتأخرة.
المستقبل يبدو ممزقا إلى قطع صغيرة، يعيدنا إلى عصر المدينة / الدولة، وتتحول فيه البحار والممرات إلى ساحات صراع، والموارد النادرة إلى سلعة احتكار، والتكنولوجيا العسكرية والسيبرانية هى الفاصل بين القوة والضعف.
أوروبا، الجلاد القديم، تتحول إلى ضحية، وعليها أن تختار: إما بناء قوة حقيقية تحافظ على مصالحها وتستعيد إرادتها، أو البقاء رهينة للآخرين، تعيش على هوامش القرار، وتغرق فى أوهام الأمان الزائف، وليس أمامها إلا التحالف مع حضارات المتوسط.
الواقع صار أكثر سخرية من أى رواية، كما فى «آلة الزمن»، حيث تتصارع الطبقات، وتتحول الشرعية إلى رماد، والأراضى الفارغة إلى أوراق ضغط، البحار الواسعة تضيق، والممرات المفتوحة تغلق، والكأس التى تدور على الجميع تبدو كأنها تصنع من الأوروبيين مذاقا شهيا للأقوى.
فى النهاية، القوة وحدها تكتب القانون، والذى لا يملكها يقرأ بخنوع ما يملى عليه، وينفذ وصاياها.
2026-01-23