بهلوي” في السيرك!
عادل حمودة*
لا يزيد عدد سكان منطقة “بوتوماك” الراقية في ولاية “ماريلاند” الأمريكية عن خمسين ألف نسمة ويعرف سكانها “رضا بهلوي” الذي كثيرا ما شاهدوه وهو يتناول القهوة على الرصيف دون حراسة ظاهرة.
هو ولي عهد شاه إيران “محمد رضا بهلوي” الذي اسقطته الثورة “الخومينية” عن عرشه وفر هاربا من “طهران” في 16 يناير 1979.
في ذلك الوقت كان ابنه الشاب الذي يحمل لقب “شاهبور” يدرس الطيران العسكري في الولايات المتحدة فلم يغادرها وتعرف على محامية إيرانية تحمل الجنسية الأمريكية هي “ياسمين أميني” وتزوجها وأنجبا ثلاثة أبناء.
لم ينتحر “رضا بهلوي” الثاني مثل شقيقته “ليلي” وشقيقه “على” بعد اصابتهما باكتئاب صعب علاجه وانما قرر ان يوحد صفوف المعارضة ضد السلطة القائمة في إيران ولكن لا أحد سمع عنه إلا وعمره 65 سنة وبعد ان سخنت المواجهة بين واشنطن وطهران وانفجرت التظاهرات الشعبية الشاملة في شتاء 2026.
توضع كلمة “الثاني” بعد اسمه للتمييز بينه وبين جده “رضا ميرزا خان” الذي اغتصب لقب “بهلوي” من اسم اللغة التي كانت سائدة في إيران قبل الإسلام بعد ان أسقط حكم أسرة “الكاجار” ووضع التاج بيديه على رأسه في عام 1925.
حسب “محمد حسنين هيكل” في كتابه “مدافع آيات الله” فإن مؤسس الإمبراطورية الإيرانية “الشاهنشاهية” التي اسقطتها “الخومينية” كان فلاحا أميا علم نفسه القراءة والكتابة بعد أن ترقي من رقيب إلى ضابط في فرقة “الفوزاق” التي سيطرت على البلاد فور أن انسحب منها الضباط الروسيون عام 1917 لينضموا الى جيش القيصر في مواجهة الثورة البلشفية.
وجدتها بريطانيا فرصة لوضعه حاكما عسكريا على طهران لتملا الفراغ الروسي وتسحق حالة الفوضى التي انفجرت لكنه بعزيمة حديدية استولى على البلد كلها وفي عام 1935 غير اسمها من فارس إلى إيران وهو اسم قديم جدا.
يستطرد “هيكل”: “ولسوء الحظ كان جشعه أسوأ من جشع حكام أسرة الكاجار الذين سبقوه واستولي على ثرواتهم وعندما تنازل عن العرش عام 1941 قدرت ممتلكاته بألفي قرية كما كان ربع مليون من رعاياه يعملون مباشرة في الأرض التي كان يمتلكها”.
بعد سقوط فرنسا في الحرب العالمية الثانية خافت بريطانيا وروسيا من انحياز إيران الى المانيا النازية فتدخلت قواتهما لتسيطر على طهران وارغمت الشاه على التنازل عن العرش إلى ابنه عام 1941.
ولد ابنه “محمد” في 26 أكتوبر 1919 هو وشقيقته التوأم “أشرف” التي لعبت دورا مؤثرا في الحياة السياسية حين جلس شقيقها على العرش وكانت امرأة “ذات شخصية قوية” همست في أذن “هيكل” خلال حديث جري بينهما “أن والدها الشاه كان معجبا بشخصيتها الجادة وصلابتها” وأنها “سمعته بنفسها يردد محتجا على المقادير “بأن الطبيعة لابد وان تكون خلطت الأمور في رحم زوجته “تاج الملك” إذ كان يجب ان تكون “أشرف” هي الولد و”محمد” هو البنت.
كان الشاه يصف ابنه بأنه “أبلة” فهو لم يحفظ دروسه بسهولة ولم يتحمل ظروف الجندية حين نام على مرتبة خشنة.
وعندما تقرر زواجه من الأميرة “فوزية” شقيقة الملك “فاروق” في 15 مارس 1938 لاحظت الأسرة المالكة المصرية انه شاب خجول “لا يعرف قواعد الاتيكيت ولا آداب المائدة”.
بعد نفي الأب الى جنوب أفريقيا تولى ابنه الحكم وكان السؤال الذي لم يستطع الإجابة عليه: “هل تستطيع يا بني الاحتفاظ بالعرش؟
لكن الشاه الشاب وجد نفسه في عواصف تهدد وجوده كان أصعبها يوم أمم رئيس الحكومة المنتخبة الدكتور “محمد مصدق” شركة النفط البريطانية فخشيت وكالة الاستخبارات المركزية (الأمريكية) من انتشار الاتجاهات اليسارية في الشرق الأوسط وارسلت رجلها المسؤول عن المنطقة “كيرميت روزفلت” لتدبير عملية “آجاكس” ضد الحكومة القائمة في 19 أغسطس 1953 حسب ما سجل في كتابه “الانقلاب المضاد”.
عاد الشاه الهارب من سويسرا ليعترف أمام “كيرميت روزفلت” قائلا: “أنا مدين بعرشي لله ولشعبي ولجيشي ولك” وبعدها ظل يلتقي بمندوب الاستخبارات الأمريكية صباح كل يوم سبت ليشاركه في الحكم.
لكن الاستخبارات الأمريكية رغم سيطرتها على إيران لم تستطع تقدير خطورة “آية الله الخوميني” الذي فرض على الشاه الهروب الثاني فور عودته إلى طهران.
بعد 47 سنة بدأت تيارات سياسية متعددة تطالب بعودة ابنه “رضا بهلوي” الثاني إلى العرش واسقاط الجمهورية وإعادة الملكية كما حدث من قبل في بريطانيا وفرنسا واسبانيا وإن كانت هذه حالات استثنائية قليلة فشلت معها محاولات كثيرة مشابهة.
لكن بدا واضحا ان خصوم السلطة الإيرانية في الولايات المتحدة وإسرائيل ودول عربية يصرون على وضع ولي العهد الصوري في السيرك المنصوب هناك فهل سينال تصويت الجمهور؟
ولكن هل سيدين بعرشه الى الموساد هذه المرة؟
هل سيقبل هذه الإهانة التاريخية التي لن تمحي؟
“هل سيقبل الشباب الغاضب الساخط في إيران ان يستبدل ديكتاتور بآخر؟
ثم هل سيسقط النظام فعلا أم انه سيضعف حتى يظل فزاعة أمريكية ضد الدول العربية النفطية؟
الأهرام
2026-01-23