أوراق من سيرة والدتي….. 13!
القرار المجنون….
أبو علاء منصور.
مع نهاية العام الدراسي في أول حزيران عام 1967 أنهيتُ الصف الثاني ثانوي العلمي، ونظّمتُ برنامجاً للقراءة في العطلة الصيفية استعداداً للتوجيهي في العام التالي. انشرح صدر والدتي وأشرق وجهها وهي تتابع انهماكي في تجميع الكتب والدفاتر اللازمة ممن سبقوني في تقديم التوجيهي. وأثناء ذلك ظلت تكرر عليّ: (اسأل كم تكلف الدراسة الجامعية في مصر وسوريا والعراق. في السنة الأولى أبيع “حريقة جمعة” وأُدرسك، وفي السنة الثانية أبيع “شِعب الحجة”. لا تهمل همّ المصاري، بسّ بدي يقولوا ابن مدلّلة.
لم تكن والدتي متأكدة من قدرتها على إقناع والدي العنيد بفكرة عدم مشاركتي في جني محصول الحصاد في ذلك العام. وكانت اختلفت معه في مسعاها لإدخالي الجامعة، فقد ظل يحاول إقناعي بدخول المدرسة الصناعية بحجة الفقر. ومع أنه شخص قوي الشخصية، لكن شدة استقامته وتطرف واقعيته حدّت من قدرته على اتخاذ مواقف جريئة حين يتعلق الأمر بالمال. وكان للعقلانية عند والدتي فهمٌ مختلفٌ جعلها تتعامل مع الفقر كتحد لا مبرر ضعف. كانت تقول أنا فقير وبدي أصير، أما والدي فيقول أنا فقير وبقدرش، ولكل من الموقفين أثره وانعكاسه عليّ بالطبع.
قالت والدتي لوالدي وهي تحاول إقناعه بعدم مشاركتي في الحصاد: طلب مني محمد أن يتفرغ للدراسة وأن لا يشاركنا الحصاد. رد الوالد بصرامة: أمامه عام دراسي كامل كي يدرس؟ قالت: الاستعداد المبكر مؤشر جدية، ثم إن مشاركته من عدمها لن تؤثر كثيراً. رد: واجبنا كآباء وأمهات أن لا ننجر لرغبات الأبناء التي كثيراً ما تُناقض مصالحهم، فهم يلجؤون للتحايل واختلاق الأعذار تهرباً من المسؤولية وما لا يروق لهم. قالت: لكن تجربتنا مع محمد تؤكد جديته ونضجه المبكر. رد وهو يكاد أن يفقد صبره قلتُ لك إن لديه وقت كاف للدراسة، ولا تنسي أنه متفوق أصلاً. ارتبكت والدتي أمام المنطق المتماسك لوالدي لكنها واصلت المناورة: المؤازرة والتحفيز مهمتان للضعيف والمتفوق. قال: لا بأس. فليساعدنا بضعة أيام ثم يتفرغ للدراسة.
خمسة أيام واندلعت حرب حزيران فقلبت الوضع رأساً على عقب!!
قالت لي الوالدة وسط محنة المجهول التي جلبها احتلال الضفة الغربية: (ربما تتعطل المدارس! اذهب إلى عمان واشتغل في الفرن عند صديقك عطا، وبعد التوجيهي تدخل الكلية العسكرية أو تلتحق بالجامعة). وبعد أيام ناولتني خمسة دنانير وودّعتني بدموع صامتة حرصتْ على حبسها، كي لا توحي بأي ضعف يمكن أن يؤثر على تماسكي، وحرصت على ألاّ تُبلغ والدي بالقرار الذي اتخذته منفردة. كان يمكن أن يكلفها ذلك طلاقها. لكن المرأة الجسورة اعتادت اتخاذ قرارات مصيرية. فلم تكن بلغت العشرين من عمرها حين قررت الانفصال عن زوجها الأول.
تحركتُ من القرية على ظهر سيارة “قلاّب” نقلت إحدى العائلات، وشارك في الرحلة زوجة أحد العاملين في الكويت، واثنتين من نساء جنود الجيش الأردني، وابن عمي أحمد داود ومحمد توفيق اللذان التحقا بالفدائيين في الأردن. هذه الشريحة من الناس كانت أول من فكر بالرحيل بعد اللاجئين. سيطر عليّ الذهول وأنا أتكوم صامتاً وسط الأمتعة الرثة والأواني البسيطة التي ازدحم بها ظهر القلاّب! متنقلاً بعينيّ بين الوجوه المرهقة والعيون الذابلة، وطفل يحاول تخليص يديه من والدته التي توارت عن الأنظار لإرضاعه! أتأمل الأفق اللامتناهي والجبال الجرداء القاحلة، ونحن نهبط الطريق إلى مدينة أريحا، مستعرضاً بخيالي صوراً مشوشة لمستقبل بدا شديد الغموض.
صف شاحنات طويل حين وصلنا إلى الجسر الخشبي على نهر الأردن. أناس عابسون، خوف ومرارة وذهول، وجنود احتلال يدققون الوثائق. نازحون يعبرون الجسر مشياً على الأقدام، بعضهم يحمل على ظهره والده أو والدته أو عفشاً رثاً، ونساء يحتضنَّ رُضّعاً، ويجرجرن خلفهن أطفالاً. أناس محطمو النفوس، والجو قائظ والكل يتمنى شربة ماء. ساعات انتظار طويلة ومُنعنا من العبور!
اختار السائق أن نقضي الليل في مخيم عقبة جبر علّنا نحجز دوراً مبكراً في الصباح. أفرحني ذلك فوالدي سيمنعني من العودة ثانية إن رجعنا إلى القرية. قضينا ليلتنا في منزل مهجور مخلّع الأبواب، ربما سرقه لصوص. ففي الحروب تعم الفوضى وتنتعش العصابات والأوبئة الاجتماعية.
عند الفجر قادنا السائق إلى الجسر. صف سيارات وشاحنات طويل لكنه ليس بطول الأمس. أخيراً عبرنا، فيما تطاول الصفّ خلفنا. وحين هبطنا كنتُ وأنا أتابع الخطوات المتعثرة، وأتطلع في الوجوه اليائسة، أتخيل الرجال والنساء آلات وقد سيطر عليهم الذهول والخوف والقلق. يعبرون الجسر ببطء وحذر مشياً على الأقدام، في أحضانهم أطفال صغار، ويجرّون خلفهم من هم أكبر سناً، والبعض يحملون على أكتافهم وظهورهم كبار السن وبقايا أمتعة، وتطغى على وجوههم علامات الذل والتشرد.
مع تحيات أبو علاء منصور
8\12\2020