أملاك العراق المهربة: ثروات دولة رهينة الفساد والتعقيد الدولي!
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
من بين أبرز الملفات التي تكشف هشاشة الدولة العراقية في مرحلة ما بعد 2003، تبرز قضية استرداد الأموال والأصول العراقية المهربة إلى الخارج، كعنوان صارخ للفشل المؤسسي، والتواطؤ السياسي، واللامبالاة الوطنية. إن الحديث عن ثروات تُقدّر بأكثر من 100 مليار دولار، موزعة بين عقارات ويخوت ومزارع ومصافي وموجودات مالية، ليس ترفاً إعلامياً أو لغواً شعبوياً، بل هو حقيقة موثّقة في تقارير رسمية عراقية ودولية، تحوّلت إلى ملفات نائمة في أدراج اللجان، وأدوات ضغط وانتفاع بيد القوى المتنفذة.
أصول منهوبة… وسيادة منتهكة
لقد بدأ نزيف هذه الأصول منذ أواخر التسعينات، حين لجأ النظام السابق إلى تهريب جزء من ممتلكات الدولة وإيداعها في ملاذات آمنة بأسماء شركات وهمية أو أفراد من الحلقة الضيقة للنظام. ومع سقوط النظام، كان من المفترض أن يُفتح هذا الملف بشكل احترافي، ضمن استراتيجية وطنية لاستعادة الأموال المنهوبة، لكن العراق دخل في نفق آخر، حيث طغت المحاصصة على المهنية، وتقدّمت المصالح الفئوية على مبدأ استرداد المال العام.
المعوقات القانونية والدبلوماسية
الواقع أن البيئة القانونية الدولية لا تسهّل استعادة هذه الأصول، خصوصًا في ظل غياب الوثائق الأصلية، أو صعوبة إثبات الملكية عندما تكون الممتلكات مسجّلة بأسماء أشخاص أو كيانات خاصة. كذلك، فإن التعاون مع بعض الدول التي تأوي هذه الأموال لم يكن بالمستوى المطلوب؛ فالبعض يعتبر هذه الممتلكات جزءًا من استثمارات محمية، بينما يطالب البعض الآخر بإجراءات قضائية طويلة ومعقّدة تتطلب سنوات، ناهيك عن الكُلف القانونية العالية.
وبينما تمتلك بعض الدول أدوات استرداد قوية عبر مؤسساتها القضائية والدبلوماسية (مثلما فعلت تونس أو نيجيريا في بعض القضايا)، فإن العراق لا يزال يفتقر إلى جهاز متخصص وفاعل يتابع هذا الملف خارج الأطر الروتينية والمجاملات السياسية.
الفساد الداخلي: حجر العثرة الأكبر
لكن التحدي الأخطر لا يكمن فقط في تعقيدات الخارج، بل في تواطؤ الداخل. لقد جرى التلاعب بهذا الملف من قبل أطراف سياسية كانت جزءًا من منظومة الفساد بعد 2003. وتم استخدام هذه الملفات في عمليات ابتزاز سياسي، أو صفقات تسوية خارج الأطر القانونية، بل وهناك من استغل هذه الممتلكات لصالحه، عبر نقل ملكيتها بطرق مريبة، بتواطؤ موظفين رسميين.
والأسوأ أن معظم هذه الملفات تُدار تحت مسمّى “سري للغاية”، مما يمنع الرقابة البرلمانية والمجتمعية، ويفتح الباب أمام التكتم والتلاعب.
الحلول الممكنة: بين الواقعية والإرادة
لن يكون استرداد هذه الممتلكات ممكنًا دون توفر إرادة سياسية واضحة، ومؤسسات قضائية ودبلوماسية محترفة، وتعاون دولي صادق. ويكمن مفتاح الحل في عدة خطوات استراتيجية:
1. إنشاء هيئة وطنية مستقلة لاسترداد الأصول المهربة، ترتبط مباشرة برئاسة الجمهورية أو مجلس النواب، وتُدار بشفافية وتُراقب من جهات دولية.
2. الاستعانة بخبرات دولية ومكاتب قانونية عالمية ذات تجارب سابقة في استرداد الأموال المنهوبة.
3. عقد اتفاقيات ثنائية مع الدول المعنية، تتضمن آليات تعاون قضائي وتبادل معلومات حول الملكيات والموجودات.
4. إشراك المجتمع المدني والإعلام في مراقبة هذا الملف، لضمان الشفافية ومنع التسويات السياسية المشبوهة.
الخاتمة: ما ضاع حق وراءه شعب
إن صمت الدولة عن هذا الملف هو تفريط مزدوج: تفريط في المال العام، وتفريط في الكرامة الوطنية. فكل يوم يمر دون التحرك الجاد لاسترداد هذه الأصول، هو يوم يُعمّق التبعية، ويكرّس الفساد، ويُفقد المواطن ثقته بوطنه.
ولا بد أن نذكّر أنفسنا بأن استعادة الأموال المهربة ليست فقط قضية مالية، بل قضية عدالة وكرامة وسيادة. فكما لا تُنسى دماء الشهداء، يجب ألا تُنسى ثروات أجيال المستقبل المنهوبة.
2025-08-08
