لندن تصعّد اتهاماتها لطهران بشأن “فيرفورد”
وسّعت بريطانيا اتهاماتها لإيران بشأن حادثة قاعدة فيرفورد، فيما استدعت طهران السفير البريطاني وطالبت بأدلة، مع استمرار التحقيقات وإبقاء المشتبه بهم السبعة طلقاء بكفالة
سعيد محمد*
دخل الخلاف البريطاني الإيراني بشأن حادثة قاعدة فيرفورد الجوية مرحلة جديدة، بعدما ربطها رئيس جهاز الاستخبارات الداخلية البريطانية MI5، كين ماكالوم، بتطوّر نوعي نحو استهداف المنشآت العسكرية، فيما استدعت طهران السفير البريطاني لديها، مطالبة لندن بتقديم الأدلة التي تستند إليها اتهاماتها، محذّرة من احتمال إعادة النظر في العلاقات الثنائية.
وجاءت تصريحات ماكالوم بعد يوم من إعلان الحكومة البريطانية فرض عقوبات جديدة على شخصيات إيرانية وتأكيد تقييمها بأن الحادثة كانت، بدرجة عالية من الترجيح، من إيحاء الحرس الثوري الإيراني، بينما تواصل شرطة مكافحة الإرهاب تحقيقها في ملابسات ما جرى قرب القاعدة أواخر سبتمبر/أيلول الماضي.
وقال ماكالوم، في عرضه السنوي للتهديدات الأمنية التي تتعرض لها المملكة المتحدة (الثلاثاء)، إن العام الحالي شهد اتساع طموحات إيران نحو أهداف أخطر، بينها المواقع العسكرية، وإن حادثة فيرفورد ليست حالة منفردة، إذ توجد أمثلة أخرى في بريطانيا وخارجها. وأشار إلى أن عمليات مرتبطة بإيران أدت إلى أكثر من خمسين اعتقالاً في المملكة المتحدة خلال الاثني عشر شهراً الماضية، وهو رقم يشمل قضايا متعددة ويتجاوز المعتقلين في تحقيق فيرفورد.
وأوضح رئيس الجهاز أن استمرار التحقيقات وضرورة تجنّب التأثير في أي ملاحقات قضائية مستقبليّة يحدّان مما يستطيع كشفه. وفي تصريحات لاحقة نقلتها وكالة رويترز، أبدى تحفظاً على قدرة الشبكات الإجرامية والوكلاء المستخدمين داخل بريطانيا على تنفيذ هجمات معقدة بالمسيّرات، قائلاً إن ما ظهر من قدراتهم خلال السنوات الأخيرة كان أدنى بكثير من هذا المستوى، مع إقراره بخبرة الحرس الثوري في استخدام تقنيات أكثر تطوراً في مناطق أقرب إلى إيران.
وصنّفت بريطانيا في يوليو / تموز الماضي الحرس الثوري الإيراني هيئةً تهدّد الأمن القومي، وجرّمت مساعدته وبعض أشكال دعمه.
وكان رئيس الوزراء آندي بيرنهام قد أبلغ مجلس العموم (الاثنين)، أن تقييم الحكومة يرجّح بدرجة كبيرة تنسيق الحادثة في إيران، وأن توجيهها من الحرس الثوري الإيراني يكاد يكون مؤكداً، متعهداً بتشديد الإجراءات ضد الشبكات الإجرامية ومصادر تمويلها وفرض عقوبات إضافية. وأوضحت وزيرة الداخلية شبانة محمود، في بيان أمام البرلمان في اليوم نفسه، أن التقييم يشير إلى شخص معروف لدى السلطات ومقيم في إيران بوصفه المنسّق المحتمل، من دون الكشف عن هويته أو تفاصيل الأدلة التي تستند إليها الحكومة.
وقد أصدر وزير الخارجية، إد ميليباند، بياناً قال فيه إن الحكومة استدعت سفير إيران في لندن ل “إعادة التأكيد على إن محاولات إيران المستمرة لتقويض أمن المملكة المتحدة وشركائها الدوليين من خلال شبكاتها الإجرامية وجماعاتها بالوكالة والأنشطة (الخبيثة) المدعومة من الدولة أمر غير مقبول.”
ونقلت صحف لندن عن ستيفن دوغتي، وزير الدولة لشؤون الشرق الأوسط في الحكومة البريطانية، أنّه أبلغ السفير الإيراني، سيد علي موسوي بأن “المملكة المتحدة لن تتسامح مع الترهيب”.
على السفير الإيراني أعلن “رفضه بشكل قاطع” الاتهامات بأي دور إيراني، وحث الجانب البريطاني “على الامتناع عن إطلاق تصريحات غير مثبتة”.
وقال موسوي إن إيران مستعدة للتعاون مع السلطات البريطانية المعنية بالتحقيق في الحادث، مضيفاً أن طهران سبق أن عرضت مثل هذا التعاون.
وكانت السفارة الإيرانية في لندن قد أصدرت بياناً للتعليق على الحادثة قالت فيه إن طهران “ترفض وتدين بشدة التكهنات غير المبررة والخبيثة” التي تحاول ربط إيران بالاعتقالات قرب فيرفورد، وحذرت من أن مثل هذه الادعاءات ستغذي بروبوغاندا “رهاب إيران”.
وفي تلك الأثناء، أعلنت وزارة الخارجية البريطانية إنها فرضت عقوبات على روح الله بزغندي، رئيس عمليات مكافحة التجسس في الحرس الثوري الإيراني، بما في ذلك تجميد الأصول، وحظر السفر، والمنع من تولّي إدارة شركات. كما فرضت عقوبات على شهرام علي رضا تمرزاده جكي، المتهم بتزعمه شبكة إجراميّة نسب إليها استهداف معارضين إيرانيين. وقال ميليباند إن كلاهما كان “ينوي “التهديد أو التخطيط أو تنفيذ هجمات في الخارج”.
وأصدرت 29 دولة، بينها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا ودول أوروبية، بياناً مشتركاً (الإثنين) أدانت فيه الأنشطة العنيفة المنسوبة إلى إيران، بما فيها التخطيط للقتل والحرق والتخريب والهجمات الإلكترونية. وتضمّن البيان تأييد صريحاً لموقف لندن في تحميل المسؤولية في حادثة فيرفورد إلى إيران، مع العزم على تعزيز التنسيق بين الدول الموقعة لحماية السيادة والمجتمعات ومحاسبة المسؤولين عن الأنشطة العدائية.
في المقابل، استدعت الخارجية الإيرانية (الثلاثاء) السفير البريطاني لدى طهران، هوغو شورتر. ونقلت رويترز عن الوزارة مطالبتها الحكومة البريطانية بتقديم الوثائق والأدلة المؤيدة لاتهاماتها في أقرب وقت، وإبلاغها السفير بأن إيران ستعيد النظر جدياً في العلاقات الثنائية إذا استمرت الاتهامات من دون تقديم ما يدعمها.
وكانت الولايات المتحدة قد سحبت 12 قاذفة استراتيجية من طراز B-1 من قاعدة فيرفورد الجوية الملكية في غلوسترشير (160 كيلومتراً شمال غرب لندن)، بداية الشهر الحالي إثر ما زعمت السلطات أنه هجوم إرهابي تم إبطاله. وادعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن “بعض التهديدات” قد وصلت للقاعدة، ما دفع سلاح الجو الأمريكي إلى سحب سرب القاذفات التي شاركت بكثافة في العدوان على إيران.
واعتقلت شرطة مكافحة الإرهاب سبعة مواطنين بريطانيين على صلة بالحادثة، لكن تم الإفراج عنهم جميعاً بالكفالة ما دفع مراقبين للتشكيك في مصداقية الاتهامات الموجهة لإيران.
وتم اعتقال خمسة رجال، جميعهم في العشرينات من عمرهم، في السابع والعشرين من سبتمبر/ أيلول الماضي بعد أن قادوا ثلاث شاحنات بيضاء نحو القاعدة، التي تتميز أوروبياً بقدرتها على استيعاب القاذفات الإستراتيجية. وأدى بلاغ تقدم به أحد المواطنين حول تحركات مشبوهة في الجوار إلى رد فعل مبالغ به من قبل الأجهزة الأمنية، فتم تطويق القاعدة، واستدعاء خبراء المتفجرات، وبدأت التكهنات حول ما كان يفعله الرجال الخمسة بالضبط، فيما أجريت عمليات إخلاء محمومة ل 85 منزلاً، ودعا رئيس الوزراء مجلس الأمن القومي للانعقاد.
وقد أفرجت السلطات عن المعتقلين بكفالة في اليوم التالي وذلك بعدما تبين أن الشاحنات تحمل مستوعبات بنزين، فيما لم يعثر فيها على أثر لأية متفجرات. ولاحقاً اعتقل رجلان آخران كلاً على حدة أحدهما بريطاني-إيراني، للاشتباه بعلاقتهما بالحادثة، قبل أن يتم الإفراج عنهما أيضاً بكفالة.
ونقلت صحف لندن عن فيكي إيفانز، المنسقة العليا لشرطة مكافحة الإرهاب البريطانية قولها: “لا يزال هذا التحقيق جارياً، وفرقنا المتخصصة تواصل متابعة عدة خيوط تتعلق بالظروف المحيطة بالحادثة في جوار قاعدة سلاح الجو الملكية البريطانية فيرفورد”. وأضافت أن الشرطة “تعمل على مدار الساعة لتحديد الدافع وراء الحادث”.
وسارع مسؤولون أمنيون بريطانيون وأمريكيون للتكهن بأن العملية كانت مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني أو بمنظمات إجراميّة تزعم الحكومات الغربيّة إن جهات إيرانية توظفها. وسحبت الولايات المتحدة بعدها القاذفات دون إعلان مسبق بعدما تلقى آمرو فيرفورد معلومات عن هجوم محتمل بطائرة بدون طيار على القاعدة كجزء من مؤامرة إيرانية معقدة ومتعددة الجوانب لضرب الطائرات وقتل بعض من عدة مئات من الجنود الأمريكيين يتمركزون فيها.
ولم تتضح بعد تفاصيل التهديد وإن كان مسؤولون أمريكيون تحدثوا إلى نيويورك تايمز وصفوا ما يعتقدون أنها مؤامرة مستوحاة بشكل فضفاض من هجوم جريء شنته أوكرانيا ضد روسيا العام الماضي بعدما نفذت مسيرات متطورة هجوماً ألحق أضراراً بما لا يقل عن اثنتي عشرة طائرة، بما في ذلك العديد من القاذفات الاستراتيجية القادرة على حمل رؤوس نووية في قواعد بموسكو، ووسط البلاد، وأقصى الشمال الروسي.
وكانت طهران قد حذرت في يوليو / تموز الماضي من أن قواعد سلاح الجو الملكي البريطاني التي تقلع منها الطائرات الأمريكية لقصف إيران “هدف مشروع”. وأصدرت الخارجية الإيرانية بياناً قالت فيه إن السماح للولايات المتحدة باستخدام القاعدة “يجعل لندن مسؤولة” عن الهجمات الأمريكية. وفي نفس اليوم، أصدر الحرس الثوري بياناً قال: “أي قاعدة تستخدم لشن هجمات على الأراضي الإيرانية هي هدف مشروع لقواتنا.”
وقبل أربعة أيام من حادثة فيرفورد، قالت مؤسسة رصد استخباراتي إن موقعاً إعلامياً مدعوماً من إيران نشر تعليقات من يحيى رحيم صفوي، القائد الأعلى السابق للحرس الثوري أدان فيها أوروبا باعتبارها “مركزاً لوجستياً” للعدوان الأمريكي على إيران، وذكّر بوجود قواعد جوية تستخدمها القوات الأمريكية لشن الهجمات على إيران، بما في ذلك رامشتاين في ألمانيا، وأفيانو في إيطاليا، وفيرفورد.
وبعد ذلك التحذير تصاعد القلق بين المسؤولين في جميع أنحاء أوروبا. وقال مسؤول أمريكي رفيع أن إسرائيل أبلغت ألمانيا بأن القواعد الأمريكية هناك معرضة لخطر متزايد من قبل الحرس الثوري الإيراني أو واجهات له، مشيرة بشكل خاص إلى قاعدتي سبانغداهلم ورامشتاين.
—————————
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
لندن
2026-10-16