أغنية الحلاّج الأخيرة!
أحمــد عبد الســادة.
أدخلُ في اللغةِ الأخيرةِ للمدينة..
أيْ أدخلُ في نهار ٍ يقشـّرُ ضوءَهُ للجفاف
ويدّخرُ هواءَهُ لسوادٍ طائش.
أدخلُ في اللغةِ الأخيرةِ للمدينة..
أيْ أدخلُ في ليل ٍ ينفرط ُ نبضُهُ ………..
…………………………………….
…………………………………….
في صمتٍ خائف …………….
في شوارعَ صدّعتها آياتُ السراب
وفي ضفافٍ سرقتْ مفاتيحَها….
موجة ٌعمياء.
هذه هي المدينة ُ…
صوتٌ تعرّى من نبرةِ المطر
وارتكب دماً أمـّاراً بالكهوف.
هذه هي المدينة ُ…
خضرة ٌ يخنقها رمــلٌ مسعـور،
ومسلاتٌ تطلّ على هشيمها القادم،
ونهرٌ يدقّ مرارته في الهواء،
وذاكرة ٌ تختبىءُ في قمر ٍ من آهاتٍ وتحلمُ.
كلّ النبضِ إذن لقصيدةٍ ستعتلي جسدَ هذا الخراب
وتغرسُ شهوتها في طقسه الشائخ.
كلّ النبض لحبرٍ يهبُّ باسم البحر
ليعيدَ للغيوم القاحلةِ خصوبتها.
كلّ النبض لمن تنتابهُ إغماءة ُ الوردةِ في صرختي
لمن تنتابهُ شهوتي وهي محمّـلة ٌ
بذخيرةِ إبليسَ الليلية.
كلّ النبض لمن يكتشفُ وجعَ الجمرةِ الوحيدة
لمن يكتشفُ آخرَ شهقةٍ في المرايا
فيرفعُ في وجهِ العدم بروقهُ الحمراء.
كلّ النبض لمن يلملمُ شظايا بلورة الأيام ويرى:
كانت المآذنُ تفضُّ المدنَ بالسيف،
وتفتحُ بتراتيلها الثقيلةِ سماءً
من الدم المغدور.
للمآذن سراديبُ تنفثُ الدماملَ في العطر،
وترمي النقابَ على لغةِ البلابل،
وتبشرُ الضوءَ بعكازين.
للمآذن جهنمٌ تكدسُ القلوبَ الخائفة في خزائن الفقهاء،
وفراديسُ معتقة ٌ بالوهم،
وحورُعِـين ٍ تغري البارودَ بالسطوع.
كان الظلامُ يطحنُ بسنابكهِ حكمة الندى،
ويرشُّ الدويّ البدويّ في ريشةِ طاووس،
ويُعلي اللهَ فوق مسلخ البراءة
وفوق جثثِ الأغاني.
ليس في جبـّـتي إلاّ أنا.
ليس في جبـّـتي الاّ سماءٌ من العيون
تحرسُ نومَ الأطفالِ من نقيضهِ
وتطلُّ على فجيعتِها في الوجوهِ والأمكنة.
ليس في جبـّـتي إلاّ أنا.
ليس في جبـّـتي إلاّ ليلٌ منقــّعٌ بالحلم
وغابة ٌ منسوجة ٌ من تنهّـدات امرأة
فليرحل الله، إذن، من حنجرتي
ولتتهشم مكيدتهُ الجائعة ُ في أنفاسها الأولى
ولتنطفىء قناديلُ ضبابهِ النابح ِ في قلبي.
أدخلُ في اللغةِ الأخيرة للمدينة….
لم تكن الأمكنة ُ قوية ً بما يكفي
لتحمي الوردةَ من شوكها
لتجرّدَ المحبرة َ من كواكب الغبار.
لم تكن الأزمنة ُ قوية ً بما يكفي
لتقودَ الظلامَ الى قمقمهِ
وتردَّ للأغاني نبيذها المسروق.
لم تكن المدينة ُ جديرة ً بقرابينها
ولم تكن جثتي بوصلة ً للسنابل
ولا مبخرة ً تباركُ عسلاًً يتوجّعُ بين عاشقين.
لم تكن جثتي سوى لغةٍ أغواها السراب
وخثرتها النظرات….
وغربلت أسئلتــَها الأحاديثُُ الميتة.
لم أكن سوى قربانٍ لصدىً ممهورٍ بالفراغ
سوى ناقوس تزوجَ الغرابة َ وأنجبَ الفقدان
سوى حبر أطلقَ شهوتهُ في الماء واختفى.
لذلك….
كان عليّ أن أعطلَ موتي
وأن أعيدَ نسجَ حكايتي بإبرة ترى.
لم أكن سوى غيري….
لذلك….
كان عليّ أن ألملمَ صرختي
من تابوتها النهريّ
وأن أستردَ تعاليمَ ناري المستباحة
لأكونَ سائحَ المدينةِ لا شهيدَها،
لأكونَ نسمتها المغادرة َ لا قبرَها الأكيد،
لأكونَ….. أنا.
بغداد/ 2008
عن مدونة الزميلة زهراء جمال
2019-12-29