أعشاشُ القملِ !
د. صلاح حزام.
في زيارتي الأخيرة الى بغداد التي استغرقت حوالي الشهر ، سكنت انا وزوجتي في احد فنادق الدرجة الاولى ..في وسط بغداد ، كان الفندق يعجُّ بالعديد من الأشخاص الذين كانوا ، كما هو واضح من طبيعة ملابسهم وتحركاتهم وبعض احاديثهم التي يتسرب بعضها الينا دون قصد عندما نكون في المطعم او بهو الاستراحة او المقهى،كانوا ” مُصلِحين”
واصحاب رسالة تطوير لفئات من المجتمع العراقي في الريف او المدينة .
لقد كانوا يحملون فوق اكتافهم “هموم” المجتمع العراقي “وعذاباته” ،
بعضهم عراقيون وبعضهم عرب واجانب ..
واضح على وجوههم “الهمُّ” العراقي والقلق على مستقبل البلد والمجتمع.
ولكن ماكان أكثر وضوحاً هو انهم لايعرفون المجتمع العراقي !!كذلك فأن الذي ارسلهم هو الآخر لايعرف المجتمع العراقي بشكل تام !!
أحدهم كان يعمل على مشروع لتطوير المرأة في الاهوار العراقية ، لكنه اطلق العنان لشعر رأسه الكث والكثيف والأجعد حتى تحول الى كرة ضخمة من الصوف الأسود تعلو رأسه وتهتز بطريقة كاريكاتورية عندما يتحرك (أجزم بأني لم أشاهد في حياتي كرة شعر ضخمة تعلو رأس رجل طيلة حياتي وفي كل الاماكن التي زرتها في العالم )..مع بنطال شديد الضيق لا استطيع ان اتصور كيف حشر جسمه المكتنز فيه!! كان بنطاله قصيراً قليلاً وحذاء ضخم بدون جوارب.. ألوان الملابس زاهية تتراوح بين الاصفر والوردي والازرق ألفاقع..
زميل له يبدو انه كردي مهاجر الى الخارج ” الى محطات الغربة” وعاد للمساعدة في انقاذ العراق بالتعاون مع احدى المنظمات الدولية..
هذا الرجل اطلق شعر رأسه وظفره جدائل صفراء ذهبية طويلة تصل الى مايقرب من خصره ..اضافة الى عدد آخر من الضفائر الصفراء الصغيرة التي جمعها مع بعضها في كومة على قمة رأسه وثبّتها في مشبك نسائي معدني.
مع لغة عربية ركيكة ومضحكة ..
تخيلت ردة فعل نساء الهور عندما يذهب هؤلاء المصلحون التنمويون الأفاضل لمساعدتهن والأخذ بأيديهن للحصول على الحقوق التي كفلها الدستور العراقي والشرائع الدولية !!
اعتقد ان اول ما يتبادر الى اذهانهن هو السؤال عن كيفية غسل هذه الجدائل الطويلة وكُرات الشعر الأشعث وضمان عدم تكاثر القمل فيها ؟؟ لابد انها بمثابة أعشاش ضخمة ونشيطة للقمل !!
وكذلك ربما يُثار السؤال عن نوع الصبغ الاصفر الذي استخدمه صاحبنا المغترب النبيل؟؟ قد يكون ذلك تكتيكاً “دولياً ” حديثاً لجذب اهتمام النساء.
لو كان لدى هؤلاء السادة أو من ارسلهم ، فكرة عن طبيعة التفكير الريفي وماهي معايير الرجولة لما ذهبوا اصلاً او انهم قد كانوا يحلقون شعر رؤوسهم بما يتلائم مع معايير المجتمع الذي يستهدفونه ..
المظهر حق شخصي بطبيعة الحال ، لكن هؤلاء في مهمة عمل يفترض ان تتوفر شروط نجاحها وعلى رأسها الثقة في مقدِّم الاستشارة والنصيحة.. نساء الهور سوف يعتبرن هؤلاء السادة الاستشاريين مجرد طراطير مهرجين يثيرون السخرية ..
ظاهرة مشاريع المنظمات الدولية والمنظمات الخيرية والانسانية وعلاقاتها مع منظمات المجتمع المدني في العراق تستحق الدراسة والمراجعة حقاً .
مَن يُحدد المشاريع التي تمولها تلك المنظمات ومن يختار الباحثين المشاركين من الداخل والخارج ؟
أحد اصدقائي من الاساتذة العراقيين اخبرني بالكثير من الحقائق عن هذه النشاطات التي يُعتبر الكثير منها شَكلي
وصُوري وغير معروف الدوافع تماماً..
قال انهم يتعمدون استبعاد الباحثين العراقيين او تقليل اعدادهم وتفضيل الاجنبي حتى لو كان من دولة عربية !!
كُتِبَ الكثير عن منظمات مجتمع مدني فاسدة وتهدف للحصول على الأموال والتبرعات لاسيما من خارج العراق ولاتكترث بطبيعة وجديّة المشاريع والنشاطات التي تنفذها..
2020-12-30