أضواء على سوق النفط!
ابو زيزوم .
موضوع النفط هو القضية الاقتصادية التي تحظى بأكبر قدر من اهتمام المواطن العربي ، سواءً كان هذا المواطن في بلد مصدر او مستورد . والذي يعنيه هو موضوع الأسعار فقط لتأثيره المباشر على الحياة . وما لا يعرفه كثير من المواطنين ان تحديد السعر ليس شأناً سهلاً يستطيع الحاكم مهما كان ثقل بلده ان يتحكم به . لذلك سأشرح بإيجاز جملة المؤثرات المتحكمة بالأسعار . النفط سلعة عالمية لها سوق عالمية تعمل بمبدأ العرض والطلب كعامل أول . ومع ذلك لا يجوز التغاضي عن العوامل التالية :
أولاً : التنافس على الأسواق ، لكل مصدّر نفطي أسواق تقليدية شبه ثابتة يرتبط معها باتفاقات طويلة او متوسطة المدى . والتحول من شريك الى شريك من جانب البائع او الشاري لا يتم بين عشية وضحاها . فإذا قررت احدى الدول إنهاء شراكتها النفطية مع دولة اخرى تحتاج على اقل تقدير شهوراً طويلة لإنجاز قرارها . وعندها قد تكون الأسباب الآنية للقرار تغيرت لذا لا يتأثر هذا المبدأ بالتقلبات الطارئة للسوق . فقرار زيادة الانتاج من قبل اي طرف ربما يكون إعلاميا اكثر مما هو فعلي لأن عليه ايجاد سوق للنفط الاضافي ، اي ان عليه ازاحة مصدّر آخر عن بعض الأسواق للحلول محله ، وهذا يحتاج وقتا وقد لا يتحقق .
ثانياً : توجد بورصة للنفط تتحدد فيها الأسعار يومياً مثل بورصة العملات ، لكن ، وإلى جانبها توجد دائما عقود آجله للبيع . فهناك شحنات متفق عليها مسبقا ولا علاقة لأسعارها بما يطرأ على السوق من تقلبات . هذا النوع من البيع يشمل اكثر من نصف صادرات النفط . طبعا تخضع بعض العقود الآجلة حسب اتفاق الطرفين للسعر الفعلي عند التنفيذ ، فالبائع يبيع بالسعر الآني ومكسبه الوحيد في هذه الحالة حجز السوق . غير ان نسبة كبيرة من العقود الآجلة يحدد فيها السعر مسبقا ولا تتأثر بأي تغييرات لاحقة .
ثالثاً : يحاول كثير من المستوردين تنويع مصادر توريد النفط ، ليس فقط بحثاً عن الأمان وإنما تجنباً لأولئك البائعين الذين لا يستوردون سلع مقابل صادراتهم النفطية ويريدون عملة صعبة . فالباكستان على سبيل المثال حين يكون متاحا لها شراء النفط من السعودية وإيران والعراق وبنفس الكلفة ماذا تختار ؟. انها تختار البلد الذي يستورد بضائع باكستانية كي تحمي ميزانها التجاري من العجز . ولذلك نراها تشتري نفطاً من جميع تلك الدول بما يوازي صادراتها قدر المستطاع .
رابعاً : المضاربة ، ككل سلعة استراتيجية يستخدم النفط في المضاربات من قبل المنتجين الكبار. وتعتبر السعودية تاريخيا ابرز المضاربين بدوافع سياسية . والأزمة الحالية فيها قدر من المضاربة بدأته روسيا لأسباب اقتصادية ، ثم السعودية لأسباب سياسية ، ثم خرج الامر عن السيطرة . الذي حصل مع تفشي الوباء ان الطلب على النفط انخفض بسبب توقف أنشطة اقتصادية كثيرة . فازداد الفائض في السوق وبدأت الأسعار بالإنحدار . وبينما يتوقع المعنيون ان يبادر المنتجون بخفض مدروس للصادرات كي تستقر الأسعار اذا بالسعودية تفاجئهم بالإعلان عن زيادة هائلة في الانتاج مما هوى بالأسعار الى ثلث ما كانت عليه في غضون أسبوعين .
في الحقيقة لم ترفع السعودية إنتاجها برميلا واحدا لسبب بسيط هو عدم وجود من يشتريه. بل ولم تتمكن من الاحتفاظ بمعدل إنتاجها السابق للأزمة ونزلت عنه بأكثر من مليون برميل . فالإعلان السعودي أثّر إعلاميا فقط على الأسعار التي كانت تهبط بالتدريج فهبطت بدون تدريج.
استفاد المستوردون الكبار من تدني الأسعار لملء مخازنهم الاستراتيجية ، وبعد ان ملأوها راحوا يطالبون برفع الأسعار لتجنب الأضرار الجانبية لإنخفاضها الشديد . وفي مقدمة المطالبين الامريكان الذين سبق لرئيسهم ان طالب بخفضها ، مما سبب للسعودية حرجاً كبيرا .
ليس مطلوباً من ابن سلمان خفض الانتاج الذي انخفض اضطراريا كما أسلفنا ، المطلوب منه فقط ان يعترف بالرقم الحقيقي لإنتاج بلاده حاليا كي تنتعش الأسعار . لكنه ولأسبابه النفسية الخاصة لا يستطيع الاعتراف بأن صادرات بلاده حاليا تسعة ملايين برميل بينما المعلن ثلاثة عشر مليوناً . فمن الصعب عليه الظهور بمظهر المتراجع عن قراره السابق الذي تحدى به روسيا. لذلك يحاول تمرير التراجع ضمن اتفاق جماعي للمنتجين يشمل روسيا .
المشكلة التي يواجهها ابن سلمان حالياً انه في نظر الجميع المتسبب بكسر الأسعار . لذلك فهو المطالب برفعها ، وهو لا يستطيع رفعها للأسباب التي ذكرناها في هذا المنشور ، فبات يتعرض لضغوط متزايدة من الامريكان .
المسألة ان كل إنسان يستطيع خفض ثمن السلعة التي يبيعها ، لكنه لا يستطيع رفع ثمنها متى شاء . وكل حاكم يستطيع اعلان الحرب على دولة مجاورة لكنه بالتأكيد لا يستطيع ايقافها متى شاء . وسنتابع نتائج مفاوضات اهل النفط الجارية الان !!.
( ابو زيزوم _ 835 )
2020-04-10