أصدقائي لا تموتوا مثلما كنتم تموتون في موعد العمر المهدد وبقاياه والعيش المرير والأشياء… أصدقائي لا تموتوا بعد هذا الموت….
أحمد الناصري
هذه الورقة كتبتها منذ سنوات بعيدة، وانا اتابع وضع ومحنة صديقي (علي ذيبان – مهند) وهي منشورة في موقع الحوار المتمدن، مع تغيير في العنوان بما يناسب النهاية المأساوية لعلي. لقد قال لي عنها (أنك تعرفني اكثر مني…)… كانت مهداة إلى (م.ذ) أي مهند ذيبان الذي هو علي ذبيان، وكان أسمه الحركي في الجبل مهند، والآن هو اسم أبنه مهند…
هل كان ذلك نعي مبكر لعلي وهو يواجه محنة شخصية وعامة صعبة؟
لقد حاولت وحاولت معه، وتابعته ولم انقطع عنه. قبل أسبوع طلب صداقتي على الفيس بوك من جديد، وأردت أن اعود للحديث معه ومشاكسته والضحك والتواصل من جديد، لكنه فاجأني بآخر موقف له، كأنه يعبث ويلهو كما كان. أو كما كان يقول له سامي (شنو شبيك تبعثرت؟)
علي الشاب الصغير الحالم (وصل إلى الجبل بعمر مبكر تحت ال 18، هو ومجموعة صغيرة وجميلة، كي تخوض تجربة صعبة وناقصة). علي المشاكس والمواجه والبوهيمي على طريقته، مات سريعاً وترك لنا لوعة ومرارة….
أنهم يموتون موتاً جماعياً سريعاً، بسبب الوطن وآلامه الرهيبة، حزناً وخوفاً عليه، لكيلا يروه وهو يموت كل يموت…
لقد ماتوا من الحزن على الوطن، بعد إن فشل الشهداء في استرداده… فمات علي أيضاً….
أوراق خاصة (الى صديق قتلته الحياة والتجربة….)
أحمد الناصري
لسنا ورقا هشا يطير في دورة الهواء ويطيح بعيدا ميتا منكفئاً على نفسه. لسنا غبار ذكريات لمعارك فاشلة وحروب منسية أرهقت الجميع. لسنا بقايا ملابس لزمن راح وانقضى وأصبح بارداً كالحجر. لسنا بقايا صور معلقة على حائط رطب ومنسي في زوايا بعيدة! لسنا ذكريات تتقادم مع الوقت، تمسحها ذاكرة الأيام والسنوات بممحاة الحياة القاسية، وتعبر عليها عجلات الزمن العابر والتفاصيل الصغيرة والمدن الجديدة الممتدة فوق خطوط القطارات والمطارات الحديثة جدا. ولسنا الأحصنة المتعبة الخاسرة التي ركضت في الميدان دون هدف أو قدرة على المتابعة والاستمرار فكبت وبكت حظها العاثر.
نحن حجر البازلت. حجر التاريخ، وحجر الأرض وملحها. لم نرم قلوبنا في قرية المحرقة، لكننا نمسك قلوبنا كالقنابل اليدوية التي ننسف بها قرية الخطيئة والفجيعة الدائمة والمتكررة في هذا الزمان وهذا المكان!
قلبي كالتفاحة، سأهديه لمن تعشق التفاح البري، وتركض به حافية نحو خلجان الروح وأوردة الوعي الممتدة عرضا وطولا في نسيج الحياة المديد، لكي تقذف به تفاحة متفجرة تحت جنازير دبابة تدوس على أوردة الجبل أو الحجاب الحاجز للأهوار أو تدوس على قلب الوطن. سيقهقه قلبي ويتحطم ذلك البغل الحديدي البغيض. ذلك البغل الحديدي الثقيل.
آخر الأخبار بعد كل الأخبار الكثيرة واليومية، عن أصدقاء تركوا أرواحهم تحوم فوق الذكريات وأمام العين وغادروا الى أنفاق الوحشة والفوت والانقطاع، يأتي خبر عن صديق قريب، صديق حبيب، كان جميلا شفافا قويا وبهياً وقد انقسم على ذاته ودخل في لجة التناقض الأسود، والتعارك الصعب والغامض بين ذاتيين كانتا ذاتا واحدة.
يا صديقي في مشروع الفرح الدائم، الفرح الطافح بين أيامك السابقة، وبين أصابعك، وفوق بيوت الناس والطرقات، كنت يوما تصنع لنا الفرح وتقدمه فوق أطباق الصداقة، وتنشره فوق حقول الرماد. لماذا تخليت عن عملك الطبيعي اليومي، عمل النحلة؟
يا صديقي ماذا سأقول لنفسي عنك؟ ماذا سأقول لنا عنا؟ ماذا سنقول هل هو مصير جماعي نسير به وأليه، بعد أن اجتزنا الأهوال وبوابات الجحيم المتكررة في منعطفات العمر؟
يا صديقي لنمسح الغبار عن الذاكرة، ونمسح الغبار عن الطاولات والكتب، ونمسح الغبار عن الصور الباهرة التي كنت تصنعها بيديك بمهارة نادرة وحس فني خاص، ونتذكر بأننا صمدنا مرة وراء وردة، لندافع عن تراب وهواء لا يشبهما تراب أو هواء آخر! لنفجر حدود الذاكرة ونفجر اللغة ونسمع دبكات الروح التي رقصت مرة على عزف البنادق القادمة مع أيامنا القاصرة أيضا.
يا صديقي الجميل لنعود الى أرضنا الأولى، إلى المشهد الأول، إلى موقعنا، إلى المسارات الأولى، إلى المبتدأ ونتمترس خلف وردة برية تعصمنا من الخطأ والضعف والتكرار والهزيمة، وردة برية تصبح برجاً للخليقة يشق طريقه كالنخلة إلى الأسفل الدافئ والى الأفق المديد!
يا صديقي القريب نحن حجر التاريخ، وحجر الزوايا، نحن الإنسان أجمل وأصلب منحوتات الحياة، يطلق الورد والطيور والأمنيات الصديقة! ينثر البذر فوق القرى السعيدة النابتة في عمق الأرض، لتقف خلف تحصينات الروح المشعة، نحن حجر التاريخ الراهن، نطلق المستقبل من فوق الراحات البيضاء، والأيدي النظيفة التي لم تتلوث بشيء؟
يا صديقي البعيد نحن الفراشات الصلبة، تلك الفراشات التي تسير نحونا وتدخل الخلايا، تدخل الأعشاش، تدخل الجروح، كنا نداوي الجروح بعطر الفراشات وعصيرها السماوي الساحر، ثم نغسلها بالمطر الطبيعي ونلفها بلحاء الشجر. إن أرواح الفراشات لا تخطئ، لا تضعف، لا تمل من الطيران نحو البهجة والنور!
يا صديقي القريب القريب أعرف كم هي طويلة حقول الرماد المنقوعة بماء أحمر، تلك الحقول التي مشينا في أوحالها ثلاثة أرباع العمر المنجز، فلا زلت اسمع عويل النخيل، وأشرب من دموع الشوارع، وأرى شظايا الوطن وشظايا القنابل، أرى الجوع يفترس الأحياء والأطفال، وحشاً كريهاً غريباً لئيماً بليداً صامتاً، وهو يعصر ويعض البشر، فيذوب اللحم وتغور العيون حتى تنطفأ، والناس تتساقط كالنخيل اليابس، الذي لا يشبه النخل بشيء!
وأعرف أيضا بأن المقصلة لم تزل معلقة، وجسد الوطن يقاد تحتها في لحظة الوريد المتشنج، لحظة الشعب الطريد المحاصر بالذل والإنهدام والتلويث، لحظة الرفض لكل ما هو خطأ ومن أجل البقاء واسترداد العافية وأنت تدري أن وطن يلجأ الى نهريه، وطن يلجأ الى نخيله وأهواره والجبل، وطن يلجأ الى عاصمة استثنائية ويتمترس فيها، مثل هكذا وطن لا يغادر مكانه بسهولة، ولا ينهزم، ولا ينكسر مثل كرة معدنية، كرة من الخَبث الهش سهلة التفتت والانعدام؟
أعرف كل ذلك وأزيد، أعرف التفاصيل القديمة واتابع وأسجل التفاصيل الجديدة في كتاب الخراب القائم والدائم حتى هذه اللحظة الملتبسة، لكنني مقتنع بقدرة الإنسان الخالد في أن يطلق البروق ويأتي بالمطر، ويزيل الرماد عن عيون العراق، عن رموش المدن ، حيث تخرج الوردة من نسيج الصخور الثقيلة، ويتدفق نهر الحياة ، لكننا سنبكي من الفرح آخر مرة!
أخيرا لابد لي أن أهمس في إذنك، بأننا لن ننسى تلك اليد الآثمة، اليد الحقودة التي عذبتك، ودفعت بك دفعا الى هاوية الأزمة، وقادتك الى هذا المصير المؤلم، لا تخف فسوف تحاسب تلك اليد القذرة على كل إرتكاباتها، ونحن لن ننسى. تبا لتلك اليد الملوثة بدماء الشهيد منتصر وآلام الأصدقاء الطيبين، ودمت لي صديقا جميلا سيعود إلى نفسه وذاته يوماً، آمل أن يكون قريب.
2018-03-26