أتاتوركية مضغوطة في جزيرة العرب!
ابو زيزوم .
يكاد يخلو التاريخ من حالات تعمد فيها السلطة الى تغيير التقاليد الاجتماعية والهوية الثقافية للناس بقرارات فوقية . فحتى الأحزاب الشيوعية المعروفة بعدائها السافر للأديان تتجنب عندما تصل الى الحكم التعرض للمعتقدات الروحية بشكل واضح . وفي احيان عديدة تأمر كوادرها بالاندماج في المظاهر الاجتماعية تحاشياً لإستفزاز الرأي العام .
في محيطنا الاسلامي حالتان متفردتان من هذا القبيل : قيام إسماعيل الصفوي قبل خمسة قرون بتحويل الفرس من المذهب السني الى المذهب الشيعي بالقوة . وقيام كمال اتاتورك قبل قرن بتحويل الأتراك عن الاسلام كليا الى التغريب بالقوة أيضا . والحالتان لهما أسبابهما التاريخية المعروفة التي لا يتسع لشرحها المقال ، وحسبنا القول ان إسماعيل الصفوي فعل ما فعل نكاية بالأتراك ، واتاتورك فعل ما فعل نكاية بالعرب .
الذي يجري الان في السعودية لا يقل أهمية عن الحدثين التاريخيين اذا قُدر له النجاح . الا ان مسيرته محفوفة بالمخاطر وقد تنتكس في أية لحظة لإرتباطها العضوي بمصير شخص هو محمد بن سلمان . ما يقوم به ابن سلمان هو نقل السياسة السعودية من النقيض الى النقيض . من المنهج الديني المتشدد الى محاربة الدين بنفس التشدد ، دون إعطاء فاصل زمني او تدرج .
الفرق بين ابن سلمان وسابقيه الفارسي والتركي كبير وكبير جدا . فذانك القائدان لدى كل منهما مشروع استراتيجي يتمثل بنقل أمته من واقع الى واقع آخر يرفع شأنها عالميا . الصفوي أراد جعل الفارق الطائفي سداً لأمته امام الزحف العثماني . وأتاتورك أراد ان يجعل تركيا بلداً عصريا ينافس الأوربيين في كل المجالات ، وقد تحقق ذلك لكليهما . فهل لدى ابن سلمان طموحات من هذا النوع ؟ أبداً . منتهى طموحه السياسي ان يكون تابعا لأمريكا وإسرائيل . اما على الصعيد الداخلي وكما هو واضح للعيان لا تتعدى مشاريعه ( الإصلاحية ) الموضوع الجنسي والحريات الشخصية . لقد اطلق هذا الجزء من الحرية بشكل أهوج ؛ من حفلات رقص مختلطة ، والسماح للشاب والفتاة بالحجز في الفنادق دون إبراز ما يثبت انهما زوجان ، والإقرار بالمثلية ، والشروع ببناء مدينة ملاهي على ساحل البحر الأحمر تنافس دبي في تهتكها . وفي المقابل إلغاء الحريات الاخرى كليا وبشكل لم يسبق له مثيل حتى في السعودية ذاتها . فالتغريدة على الإنترنيت قد تودي بصاحبها الى التهلكة . وحتى السكوت لم يعد مسموحا به عندما يتعلق الامر بالشخصيات المعروفة ، وانما عليهم الإفصاح عن تأييد هذا النهج او تحمل العواقب .
حدثني صديق كان يعمل معلما في مدرسة أهلية بأحد الأحياء الراقية ، قال أمرت التلاميذ بكتابة موضوع إنشائي عن أسرة فقيرة ، فكتبت احدى التلميذات : ( توجد أسرة فقيرة ، بيتها صغير جداً وحديقتها صغيرة جدا والمسبح صغير جدا والملعب صغير جدا والسيارة صغيرة جدا ) ولم يبق الا ان تقول ( والمطار صغير جدا والطائرة صغيرة جدا ) . فهي بحكم واقعها لم تتصور ان تلك الأشياء الصغيرة جدا غير موجودة أصلا لدى الفقراء . بهذا العقل يفكر ابن سلمان . يعتقد ان الحرية الجنسية والرقص المختلط هو أساس الدولة العصرية ، فإذا توفر لا يحق للناس المطالبة بحقوق سياسية وحرية رأي .
في المنظور السياسي لم يفعل ابن سلمان شيئا ، فالقمع هو هو لم يتغير . كل ما في الامر انه كان يقمع الخارجين على الدين وأصبح يقمع الملتزمين بالدين . كان يقمع المطالبين بالترفيه وأصبح يقمع المعترضين على الترفيه . المهمة هي ذاتها ، سلطة قمعية وشعب مقموع . إنما تكمن أهمية منهجه في المجال الاجتماعي والتاريخي ! هل يتمكن من نقل ذلك المجتمع المحافظ على الفور الى حالة مشابهة للإمارات كما يخطط ؟ المسألة على قدر كبير من الأهمية وستُدرس في مراكز البحوث كتجربة فريدة من نوعها .
( ابو زيزوم _ 754 )
2019-12-24