هل هناك تنمية ونموٌّ حقيقي في العراق مع تصاعد البطالة والفقر وتذبذب أسعار النفط وضعف مساهمة القطاع الخاص؟
بقلم: البرفيسور وليد الحيالي
خلاصة مكثّفة
البيانات الأحدث تشير إلى تراجعٍ في الفقر النقدي إلى نحو 17.5% وتحسّنٍ مرحلي في بعض مؤشرات النمو غير النفطي، لكن البطالة الكلية بقيت مرتفعة (قرابة 15–16%)، وبطالة الشباب تتجاوز 32%، فيما تعتمد المالية العامة اعتمادًا شبه كامل على النفط (أكثر من 90% من الإيرادات وأكثر من 99% من الصادرات). في ظل هذا المزيج، يصعب الحديث عن تنمية مستدامة؛ فالتحسّنات الظرفية تظل رهينة أسعار النفط، بينما مساهمة القطاع الخاص ضعيفة للغاية ولا تولّد فرص العمل المطلوبة سنويًا.
أولًا: صورة الاقتصاد الكلي باختصار
• الاعتماد على النفط: على مدى العقد الأخير، شكّلت عوائد النفط أكثر من 99% من الصادرات، ونحو 85% من الموازنة، وحوالي 42% من الناتج—أي هشاشة عالية تجاه الصدمات السعريّة. وفي 2023 قدّرت جهات دولية أن النفط وفّر قرابة 90% من الإيرادات الحكومية.
• افتراضات الموازنة وتذبذب الأسعار: بُنيت موازنة 2024 على سعر 70 دولارًا للبرميل؛ ومع تراجع الأسعار عالميًا حُذِّر من شحٍّ مالي في 2025 إذا لم تُضبط النفقات وتُعزَّز الإيرادات غير النفطية.
• النمو غير النفطي: بعد قفزة بلغت نحو 13.8% في 2023، تباطأ النمو غير النفطي إلى قرابة 2.5% في 2024 تحت وطأة قيود التمويل وتراجع الاستثمار العام.
ثانيًا: سوق العمل والفقر—مؤشرات تُقلق
• البطالة الكلية: تُمقدّر في 2024 بنحو 15.5% (تقديرات دولية منسوبة لبيانات رسمية/نموذجية). أمّا بطالة الشباب (15–24) فبلغت نحو 32.2% في 2023. هذه المستويات لا تنسجم مع نمو يقال عنه “مولِّد للوظائف”.
• الفقر: أعلنت وزارة التخطيط وشركاؤها أن الفقر النقدي انخفض إلى ~17.5% في 2023/2024، فيما سجّل مؤشر الفقر متعدد الأبعاد (MPI) 10.8% في 2024—تحسّنٌ مهم، لكنه لا يلغي هشاشة الدخل وفرص العمل.
ثالثًا: لماذا لا يخلق النمو وظائف كافية؟
1. هيمنة القطاع العام وضعف الخاص: تتقاضى الشريحة الأعرض دخولها من الدولة (الأجور والتحويلات)، بينما لا توظّف صناعة النفط سوى نحو 1% من قوة العمل، ما يجعل خلق الوظائف مرهونًا بقطاعات خاصة ما تزال محدودة القدرات. وتؤكد تقارير أن القطاع العام يهيمن على سوق العمل، مع هشاشة بنية القطاع الخاص.
2. إيرادات غير نفطية هزيلة: الإيرادات غير النفطية تراوحت بين ~1.9% و4.5% من الناتج خلال 2019–2023—نطاق منخفض يعوق تنويع المالية العامة ويُبقي الاستثمار العام رهينة النفط.
3. فاتورة أجور مرتفعة: توصي المؤسسات المالية بكبح نمو كتلة الأجور وإصلاح منظومة التقاعد والحماية الاجتماعية لتخفيف الضغط على الموازنة وتعزيز كفاءة الإنفاق التنموي.
رابعًا: كيف يعرقل تذبذب النفط التنمية المستدامة؟
• حين ترتفع الأسعار، تنتعش السيولة ويزداد الإنفاق العام، لكن مع الهبوط تظهر الفجوات التمويلية سريعًا (كما في تحذيرات 2025). هذا النمط الدوري يُضعف الاستدامة ويؤخر الإصلاحات البنيوية (تحسين بيئة الأعمال، البنى التحتية المنتجة، رأس المال البشري).
خامسًا: تشخيص موجز—هل لدينا “تنمية” أم “دورة رخاءٍ نفطي”؟
• تنمية مستدامة تعني نموًا متواصلًا متعدد المصادر، منتجًا لفرص عمل واسعة، مع منظومة مالية مرِنة قادرة على الصمود أمام الصدمات.
• الواقع الحالي أقرب إلى نموٍّ دوريٍّ معتمدٍ على النفط: تحسّنٌ في بعض المؤشرات (تراجع الفقر النقدي مؤخرًا، نمو غير نفطي في 2023) يقابله تباطؤ في 2024، بطالة مرتفعة، هشاشة مالية، وضعف هيكلي في القطاع الخاص. لذا فالإجابة العلمية: لا، لا يمكن وصف الحالة الراهنة بأنها تنمية حقيقية مستدامة—بل إنجازات جزئية هشّة ما لم تُستكمَل بإصلاحات عميقة.
سادسًا: خارطة طريق مختصرة لتحويل النمو إلى تنمية
1. تنويع مصادر الدخل: رفع الإيرادات غير النفطية (إصلاح الجمارك والضرائب، توسيع الوعاء الضريبي مع حماية الفئات الهشّة) للوصول تدريجيًا إلى >8–10% من الناتج خلال 5–7 سنوات.
2. إصلاح كتلة الأجور: ضبط التوظيف الحكومي وربط الأجر بالإنتاجية، وتوجيه الوفر إلى الاستثمار العام المنتج (طاقة، نقل، مياه، رقمنة).
3. قانون عمل وحماية اجتماعية داعمان للتوظيف: تفعيل قانون الضمان الاجتماعي للقطاع الخاص وتيسير التعاقد وتشجيع المنشآت الصغيرة والمتوسطة والاقتصاد الرسمي.
4. تنمية القطاعات الكثيفة التشغيل: الزراعة الحديثة، الصناعات التحويلية الخفيفة، الخدمات اللوجستية، السياحة الثقافية/الدينية؛ مع سياسات مشتريات حكومية تفضّل المنتج المحلي القابل للمنافسة.
5. رأس المال البشري: مواءمة التعليم والتدريب مع احتياجات السوق (مهارات رقمية/مِهنية)، لتخفيض بطالة الشباب بنحو 5–7 نقاط خلال 3–4 سنوات.
6. حوكمة وشفافية في قطاع الاستخراج: استكمال إصلاحات EITI وربط الإنفاق الاستثماري بمشروعات ذات عائد اقتصادي واضح، مع صندوق استقرار يخفف دورات السعر.
خاتمة
البيانات تقول بوضوح: لدينا نموٌّ متذبذب لا ترقَى جودتُه إلى “تنمية”. ما لم نُسرّع تنويع الاقتصاد، ونُحرّر طاقات القطاع الخاص، ونُصلح المالية العامة وسوق العمل، فسيظلّ التحسّن الاجتماعي (مثل خفض الفقر إلى ~17.5%) معرّضًا للانتكاس مع أي هبوط جديد في أسعار النفط. التحوّل ممكن—لكنّه يتطلّب إرادة سياسية، ومأسسة الإصلاح، وتوجيهاً صارماً للإنفاق نحو الاستثمار المنتج وخلق الوظائف.
المصادر (مختارة)
• البنك الدولي: هيمنة النفط على الصادرات والموازنة والناتج (أكثر من 99%/85%/42%).
• صندوق النقد الدولي 2025/2024: تباطؤ النمو غير النفطي في 2024، وتوصيات ضبط الأجور وتعزيز الإيرادات غير النفطية.
• تقديرات سوق العمل: البطالة الكلية ~15.5% (2024)، بطالة الشباب ~32.2% (2023).
• الفقر: الفقر النقدي ~17.5% (2023/24)، وMPI عند 10.8% (2024).
• هيكل التوظيف: النفط لا يوظّف سوى ~1% من قوة العمل؛ هيمنة العام وضعف الخاص.
• الإيرادات غير النفطية: 1.9–4.5% من الناتج (2019–2023).
• موازنة 2024 وافتراض 70 دولارًا للبرميل والتحذير من ضغوط 2025.
حُجّة المقال: لا تنمية حقيقية بلا اقتصادٍ متنوّعٍ ومولِّدٍ لفرص العمل؛ والنفط وحده—بكل ما يدرّه—لا يبني مستقبلًا مستدامًا.
2025-09-06
