بين التنمية والدعاية؛ كيف تستخدم السلطة صناديق التبرع لإخفاء أزمتها؟.
أمجد إسماعيل الآغا
تشكل الأزمات السياسية والاقتصادية نقطة محورية لفهم التحولات والتفاعلات المعقدة التي تشهدها سورية، حيث لا تقتصر الأزمة على أبعادها الميدانية فقط، بل تمتد لتطال الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والإعلامية. في هذا السياق، برزت صناديق “التبرع” كأدوات جديدة في المشهد السوري تُوظف تحت شعارات التنمية وإعادة الإعمار، ولكنها تحمل أبعادًا سياسية عميقة تفصح عن محاولات تمويهية لإدارة الأزمة دون مقارعة جذورها الحقيقية، وبالتالي لابد من الوقوف على طبيعة هذه الصناديق، وخلفيات ترويجها الإعلامي، وأثرها على المشهد الوطني السوري، مع تسليط الضوء على التحديات التي تعيق تحقيق أهدافها التنموية الحقيقية.
في الأطر الرسمية، يتم ترويج هذه الصناديق كأدوات تنموية تهدف إلى إعادة إعمار البنية التحتية وتحسين الخدمات، ويُبرز مسؤولوها أن هذه الصناديق تُمثل رؤية وطنية وشاملة، تجمع الدولة مع المجتمع المدني والقطاع الخاص، وتعد مؤسسة شفافة ومحركة للنمو الاقتصادي وخلق فرص عمل جديدة، مع استقطاب الاستثمارات المحلية والأجنبية، لكن في ظل الواقع السياسي الذي تعاني منه سورية، تنطوي هذه الحملات على رسائل مضللة ومحكمة تُكرّس روايات تُعزز الوحدة الوطنية مع النخبة الحاكمة وتقنع الجمهور بأن التعاون الوطني هو السبيل الوحيد للخروج من الأزمة، متجاهلة أنه من دون إصلاحات جذرية ومساءلة حقيقية، تبقى هذه التبرعات أداة للنظام لتجنب مواجهة الأزمات الحقيقية والمسؤوليات الملقاة على عاتقه. هذه الطروحات تمثل شكلًا من أشكال البروباغندا التي توظف تقنيات الإعلام الرقمي لتجميل صورة الواقع المرير، مستغلة غياب الشفافية والرقابة الفعلية .
إضافة إلى ذلك، فإن هذا الترويج يصاحبه تضليل إعلامي مدروس، يحجب الحسابات الصعبة تجاه النخب الحاكمة، ويُغذي قصصًا تربط الحماية والتنمية الحقيقية بمؤسسات السلطة نفسها، بدلًا من مساءلتها. ومن ثم، يُغلف المشهد عبر قناع سياسي متقن للسلطة للهروب من مسؤولياتها، ويوهم المجتمع بأنها شريك في العلاج والتنمية، في حين أن الواقع يعكس استمرار الهدر السياسي والاقتصادي وغياب الحلول الحقيقية .
صندوق التنمية السوري وحملات التبرعات المرتبطة به تظل ساحة للنزاع بين الصورة الرسمية الساعية لرفع معنويات الشارع وتقديم أمل في إعادة الإعمار والتنمية، والواقع السياسي الذي يستثمر هذه المبادرات كأدوات بروباغندا لإدارة الأزمة بسطحية وتجنب الإصلاح الجذري. هذا التوازن الهش بين إدارة الأزمات بالخطاب الإعلامي والتبرعات، وبين الواقع السيء على الأرض، يعيد إنتاج أزمة الثقة بين السلطة والمجتمع، ويؤكد أن تحول الأزمة السورية يتطلب أكثر من مجرد جمع التبرعات وحملات دعائية، بل إصلاحًا حقيقيًا ومستوى جديدًا من المساءلة والشفافية.
يتضح أن صناديق “التبرع” السورية، وعلى رأسها صندوق التنمية، ليست مجرد مبادرات إنمائية بقدر ما هي أدوات سياسية معقدة تنبع من حاجة النظام لإدارة الأزمة بشكل يحفظ سلطته ويبعده عن مساءلة جذرية. فبينما تقدم هذه الصناديق نفسها كمساحات تعاون وطني، فإنها في جوهرها تمثل قناعًا مصقولًا يخفي هشاشة الواقع الاقتصادي والسياسي، ويغذي روايات تضليلية تغطي على فشل المؤسسات في تحقيق التنمية الحقيقية، وبهذا فإن التعامل مع هذه الصناديق بوعي لا بد أن ترافقه مطالب بإصلاحات حقيقية وشفافية تامة، لأن استمراريتها على النحو الراهن يعني استمرار دورة الهدر السياسي والاقتصادي وربما تعميق الأزمة بدلاً من حلها.
كاتب وباحث سياسي.
2025-09-06