نقطة تحول: في العدوان الإسرائيلي على القنيطرة وفي مقاومته
افتتاحية النداء 255/ بقلم د. خالد حدادة
-أن الحديث عن نقطة تحول شكلها العدوان الإسرائيلي على القنيطرة، ورسمها بالدم الطاهر شهداء للمقاومة ينضمون لقافلة الشهداء المقاومين في مواجهة العدو الإسرائيلي منذ ما قبل إنشاء الكيان الصهيوني حتى اليوم، ليس حديثاً في الهواء وفاقداً للأسس.
الإعلام مليء بالتحليل لظروف واستهدافات هذا العدوان. وكذلك الحديث عن ربط هذا العدوان وموازاته بخطاب الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله الأخير والذي بدوره أيضاً وضع سقوفاً جديدة للمرحلة القادمة من المواجهة مع العدوان الإسرائيلي.
ولذلك وفي مجال الوصف والتحليل، يكفي أن نشير إلى بعض العناوين المرتبطة بهذا الحدث. فالعدوان هو الأول من نوعه ضد المقاومة خارج حدود لبنان الجنوبية وخارج المنطقة المحتلة منه في شبعا وكفرشوبا وسواها. وهو إلى ذلك عدوان وجه ضربة موجعة للمقاومة بعدد من كادراتها.
أتى هذا العدوان في الوقت الذي يتحدث فيه كثيرون عن آفاق الحوار الأميركي – الإيراني وردة الفعل ومحاولات “المشاغبة” على هذا الحوار من قبل الكيان الصهيوني ومن قبل المملكة العربية السعودية التي تكلفت مهمة التصعيد في البحرين وفي اليمن.
كما أنه يأتي، في وقت يتزايد فيه الضغط على الوضع الفلسطيني، ففي الداخل استمرار للانقسام السياسي وفي الخارج حصار للحق الفلسطيني تقوده الولايات المتحدة، عبر منظماتها الدولية. وفي المجالين استمرار الضغط على حياة الفلسطينيين وحقوقهم ومعيشتهم وحرياتهم السياسية والشخصية.
ويأتي هذا العدوان، في محاولة مشبوهة من قبل العدو الصهيوني للاستفادة من الإتجاه المعادي لقضايانا والذي خلقته العمليات الإرهابية في فرنسا خصوصاً وفي أوروبا بشكل عام، هذه العمليات التي لم تنتج سوى تنامي لأجواء “الاسلاموفوبيا” التي يستفيد منها العدو الصهيوني باتجاهين، إتجاه تعميم العداء من موقف ضد الإرهاب إلى موقف ضد المسلمين وشعوبهم وبلدانهم وبشكل خاص إلى موقف ضد العمال المهاجرين العرب في البلدان الأوروبية. أما الإتجاه الآخر فهو استعادة موقع هذا الكيان كحليف أساسي لأوروبا وشعوبها بعد ما عانته صورة الدولة الصهيونية لدى الرأي العام العالمي والأوروبي خصوصاً، في السنوات السابقة. والأخطر في ذلك أن هذه العملية التي يحاول العدو معها اظهار قوته وتفوقه، تستهدف استدعاء يهود أوروبا إلى العيش في الكيان القوي والقادر على حمايتهم، في الوقت الذي يهدد الإرهاب حياتهم وتعجز دول أوروبا عن حمايتها كما أوحى “ناتنياهو” في لقائه مع يهود فرنسا. وبذلك تعزيز لمنطق “الدولة اليهودية”، الذي يحاول العدو فرضه وتعزيز احتمالاته بدعم من الولايات المتحدة الاميركية.
يضاف إلى ذلك بالطبع ظروف المعركة الانتخابية في دولة العدو وسعي ناتنياهو للفوز مجدداً فيها واستعمال الدم العربي في فلسطين ولبنان وسوريا، كناخب أساسي في معركته.
وللعدوان الأخير أيضاً ظروفه السورية، من الواضح في هذا المجال أن الأمور في الأشهر الماضية اتجهت بعكس ما تشتهيه الولايات المتحدة وحلفاؤها من تركيا إلى السعودية وقطر … فالمنظمات الحليفة لهؤلاء عجزت عن تحقيق أي تقدم بل أن الجيش السوري نجح في استعادة قسم من المناطق التي كانوا يسيطرون عليها ويحاصر مناطق أخرى. وانعكست الهزائم بهبوط معنوي لدى “المعارضة المسلحة” وبارتباك في مواقف قيادتها السياسية المتمثلة “بالائتلاف” وبصدامات داخلية أدت إلى مزيد من الإحباط والترهل في صفوفها.
إلى ذلك استطاعت القوى الداعمة للحوار في موسكو، تجاوز الضغوطات الأميركية والعربية الكبرى الساعية لإفشال هذه المحطة وبالتالي أصبح مؤتمر موسكو أمراً واقعاً، رغم اعتقادنا أنه سيكون مرحلة سياسية وليس نهاية المطاف.
******
في هذا الإطار، يمكن توصيف العدوان الإجرامي، بأنه ملاقاة للخطوة الأميركية التي أعلنت بتدريب آلاف من المعارضين السوريين، تكون مهمتهم خوض المعركة بدءاً من الجنوب السوري وكذلك الجولان باتجاه لبنان. إنه الشريط الحدودي السوري المزمع انشاؤه في محاولة جديدة لتكرار تجربة “انطوان لحد” بنسختها السورية هذه المرة.
والاستنتاج الآخر أيضاً، أن العدو الصهيوني في عدوانه الأخير، يكون قد أعلن هو الآخر، انضمامه الواضح بالدم والنار، لمخطط الشرق الأوسط الجديد، ولمحو حدود “سايكس بيكو” وإعلان انتهاء هذه المرحلة، الذي سبق للولايات المتحدة أن أعلنتها وتقاطعت وتكاملت أو نفذت جزءاً من هذا الإعلان دولة داعش في تعاطيها مع الحدود السورية، العراقية واللبنانية …
والسؤال الأساسي هنا، نكرره مرة جديدة. هل أن الموقف الوطني العربي واللبناني جزء منه، يجب أن تحكمه آلية “النكاية” وردة الفعل، أي إذا كان العدو الأميركي – الإسرائيلي الإرهابي يسعى لرسم منطقة جديدة ويضرب كيانات وأُطر سايكس – بيكو فهل هذا يعني حكماً أن ندافع نحن عن هذا الاتفاق، المؤامرة التاريخية على ثروتنا وشعوبنا؟؟
هذا الموضوع يجب أن يشكل حافزاً أساسياً للتفكير، لدى كل القوى الوطنية والتقدمية في العالم العربي، وفي منطقة المواجهة مع العدو الإسرائيلي بشكل خاص.
ان الانغلاق، في حدود ما تفرضه وقائع الكيانات – الدول، سيؤدي بشكل أو بآخر لخدمة المشروع الأميركي. إذ أن أصواتاً كثيرة في لبنان كمثال ستنطلق، وحينها ستجد ما يبررها، لتستعيد شعارات النأي بالنفس عن الصراع العربي – الإسرائيلي وكذلك ستستعيد مقولات المغامرة وقرار الحرب والسلم (في الوقت الذي لم تستطع فيه هذه القوى بناء دولتها بل دمرت المؤسسات من رئاسة الجمهورية إلى المجلس النيابي) وكذلك ستعود معركة النأي بالنفس عن الصراع في سوريا، وقد يعود البعض إلى وضع هذه النقطة كأداة انقسام مذهبي وسياسي في الداخل اللبناني من مدخل وجود حزب الله في سوريا وهو بالأساس وجود مختلف على تقييمه.
كما أن القفز عن وقائع خلقها سايكس – بيكو في حوالي قرن، دون مشروع عربي متكامل، سيكون له آثاره السلبية والخطيرة وهو في كل الأحوال قد جُرب في مراحل كثيرة، وبسبب غياب أطره الديمقراطية والاجتماعية فشل في عدة تجارب متكررة.
أن هذا العدوان، وكما شكل نقطة تحول في المشروع الأميركي – الصهيوني، يجب أن يشكل نقطة تحول في أُطر مواجهة هذا المشروع واتجاهاتها وقواها.
من هذا المنطلق، دعونا سابقاً، للتعامل مع لقاء موسكو، ليس كحوار يستهدف خروج سوريا من أزمتها، فقوى الأزمة غير موجودة فيه، بل دعونا لأعتباره منطلقاً لصياغة جبهة للمواجهة تضم إلى الدولة السورية قوى المعارضة الوطنية، حيث ترتكز هذه الجبهة على أسس ثلاث، وطنية وضمنها تأتي عملية تنظيم مقاومة للعدو في الجولان المحتل والحفاظ على وحدة سوريا، وكذلك الأساس الديمقراطي في إعادة تشكيل الدولة السورية، والأساس الاجتماعي في علاقة الدولة مع شعبها…
وعلى قاعدة هذه النظرة، ننطلق في نظرتنا للمواجهة الشاملة للمشروع الأميركي – الصهيوني، وبالتالي لتنظيم أسس المقاومة والعلاقة بين قواها الواقعية والمفترضة.
إنها إشكالية تتجاوز في ضرورة حلها، حزب الله وسوريا، لتطال قوى سياسية واجتماعية مختلفة، تجد موقعها الطبيعي في مقاومة ومواجهة المخطط الأميركي – الصهيوني